تُظهر تغطية هذا الأسبوع السرعة التي تنتشر بها تقنيات المراقبة، ومدى اعتيادية هذا النمط. بالنسبة للفلسطينيين/ات، هذه الأنظمة ليست جديدة. فما يُقدَّم عالميًا بوصفه "ابتكارًا" جرى تطويره وصقله ونشره منذ وقت طويل عبر مراقبة الفلسطينيين/ات واستهدافهم.
تسلّط تحقيقات هذا الأسبوع الضوء على أنظمة ذكاء اصطناعي دُرِّبت على كميات هائلة من البيانات الفلسطينية لأتمتة تنميط الأفراد والاستهداف، إلى جانب شركات إسرائيلية تُصدّر أدوات مراقبة إلى أنحاء العالم، بما يشمل تقنيات مدمجة في أدوات يومية مثل السيارة الشخصية. ما يُسوَّق باعتباره "مجرَّب ميدانيًا" هو في الواقع تقنيات جرى اختبارها على مجتمع يعيش تحت احتلال طويل الأمد، وحصار، وعنف استيطاني إحلالي.
في الوقت نفسه، تكشف التغطيات أن شركة مايكروسوفت، التي دعمت الجيش الإسرائيلي عبر إتاحة الوصول إلى التخزين السحابي وأدوات الذكاء الاصطناعي في ذروة الإبادة الجماعية، قد حوّلت الآن دعمها إلى وكالة الهجرة والجمارك الأميركية (ICE). ومرة أخرى، يجري تصدير البنية التحتية التي انكشف استخدامها أولًا في سياق غزة إلى المستوى العالمي.
ما نشهده هو تطبيع المراقبة بوصفها نموذجًا للحوكمة، بتمكين من إفلات الشركات من المساءلة. وكسر هذه الحلقة يتطلّب الانتقال من التوثيق وحده إلى مساءلة قابلة للإنفاذ، وتدخّل تنظيمي، وضغط قانوني مستدام. ومن دون تبعات حقيقية، ستواصل هذه التقنيات التوسّع، وسيتسع معها الضرر.
18 شباط 2026، أصدر حملة - المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي تقريره السنوي "هاشتاغ فلسطين 2025"، الذي يقدّم قراءة معمّقة لكيفية تقييد الحقوق الرقمية الفلسطينية عبر منظومة متشابكة تجمع بين سياسات الحكومات، وحوكمة المنصّات، والتقنيات الناشئة، في سياق الأزمات المستمرة والحرب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. يخلص التقرير إلى أنّ ما يواجهه الفلسطينيون/ات لم يعد محصورًا في حذف منشور أو تقييد حساب، بل أصبح يتمثل في "هيكلية تحكّم" تدمج التشريع، والشرطنة الرقمية، والضغط العابر للحدود، والإنفاذ المؤتمت، والتجسّس المدعوم بالذكاء الاصطناعي، بما يضيّق حرية التعبير ويعزّز الرقابة الذاتية ويُقصي أصواتًا فلسطينية من المجال العام الرقمي. يوثّق التقرير خلال عام 2025 ما مجموعه 3,452 انتهاكًا رقميًا بحق الفلسطينيين/ات ومناصريهم/ن، ويستند في ذلك إلى رصدٍ ومراجعة أدبيات ومجموعة من الحالات الموثّقة، إضافة إلى معطيات منصّة "حُر" - المرصد الفلسطيني لانتهاكات الحقوق الرقمية. ويُظهر التحليل أنماطًا متكررة من القمع تشمل الرقابة على المحتوى، والتحريض وخطاب الكراهية، والاستهداف والملاحقة، إلى جانب تقييد الوصول الرقمي ومنع الوصول إلى منصّات الاقتصاد الرقمي، بما يفاقم الهشاشة ويعمّق عدم المساواة.
كشفت تقرير لصحيفة “الغارديان” في مارس/آذار 2025 عن تطوير الوحدة 8200 نموذج لغة كبير (LLM) شبيه بـ ChatGPT، تم تدريبه خصيصًا على كميات هائلة من البيانات النصية والصوتية الفلسطينية. هذا النظام قادر على: فهم اللهجات الفلسطينية المحلية بدقة متناهية. تحليل سياق المحادثات لتحديد نوايا المتحدثين. الإجابة على استفسارات مثل: “من هم الأشخاص الذين تحدثوا بغضب عن الجيش في منطقة الخليل الأسبوع الماضي؟”. يمثل هذا انتقالًا من “الاستهداف القائم على الهوية” (كما في لافندر) إلى “الاستهداف القائم على النوايا”، حيث يمكن اعتقال أو قتل أشخاص لمجرد تعبيرهم عن أفكار معينة، حتى قبل أن ينفذوا أي عمل. لإدارة هذه الكميات الفلكية من البيانات، اعتمد جيش الاحتلال على البنية التحتية السحابية التي وفرتها شركات أمريكية مثل جوجل وأمازون ضمن مشروع “نيمبوس”، ولاحقًا مايكروسوفت التي استضافت بيانات ضخمة للوحدة 8200. الوثائق المسربة في 2025 – 2026 أظهرت أن مايكروسوفت وفرت بيئة سحابية معزولة (Air-gapped) لجيش الاحتلال. وهو ما سمح بتخزين ومعالجة بيانات المراقبة الفلسطينية على خوادم شركات مدنية، مما يجعل هذه الأخيرة شريكة تقنية في البنية التحتية لجرائم الاحتلال.
لم تعُد المركبات مجرد أربع عجلات تحركها بصورة ميكانيكية، لكنها تحولت منذ أعوام إلى أجهزة حاسوب تتحرك على الأرض ومرتبطة عبر المجسّات وشبكة الإنترنت بالعالم الخارجي، مما أسهم في سهولة اختراق منظومتها التقنية وتعقبها والتنصت على راكبيها. ولأن المركبات الحديثة تحوي عشرات القطع المحوسبة التي تتصل ببعضها ثم مع منتج المركبة عبر الإنترنت بهدف إقامة اتصال مع أنظمة الملاحقة، تسمح لمنتجي تلك المركبات بالتعرف إلى مشكلاتها والعثور عليها في حال سرقتها. وبسبب تلك الطبيعة المحوسبة لتلك المركبات واتصالها بالإنترنت، فإنها أصبحت عرضة لإمكان اختراقها عبر برمجيات خاصة لذلك. ولأن إسرائيل تُعد من الدول الرائدة في صناعة "السايبر" الدفاعي منه وحتى الهجومي، فإن شركاتها المتخصصة في التكنولوجيا الفائقة دخلت على خط اختراق منظومة المركبات الحديثة والتجسس عليها. وخلال الأعوام الماضية عملت ثلاث شركات إسرائيلية على تطوير برامج متخصصة في ذلك وباعتها إلى جهات حول العالم. وتتيح تلك البرامج لمشغلها جمع معلومات حول مالك المركبات والاستماع إلى الأحاديث داخلها والتعرف إلى مكانها بين عدد كبير من المركبات في الشارع.
أفادت صحيفة "إسرائيل اليوم" الإسرائيلية بأن شركة السايبر "باراغون سوليوشنز" نشرت بالخطأ على منصة "لينكد إن" صورا أظهرت جزءا من واجهة التشغيل الداخلية لبرنامج التجسس التابع لها المعروف باسم "غرافيت"، قبل أن تعمد لاحقا إلى حذفها. وأظهرت الصور لوحة تحكم داخلية تضم معطيات تقنية، من بينها سجلات تشغيل، ورقم هاتف أجنبي، وبيانات مرتبطة بتطبيقات مراسلة مشفرة. وأثار تسريب الصور انتقادات في أوساط خبراء الأمن السيبراني، الذين رأوا أن الكشف عن واجهة تشغيل برنامج تجسس يمثل خللا أمنيا خطيرا في ضوء السرية التي تحيط عادة بأدوات وتقنيات هذا النوع من البرمجيات. وأوضحت الصحيفة أن برنامج "غرافيت" يُسوق لجهات حكومية ويُستخدم لاختراق الهواتف الذكية والوصول إلى محتواها، بما في ذلك الرسائل والصور، مع إمكانية تشغيل الكاميرا والميكروفون عن بُعد من دون علم صاحب الجهاز. ولم تقدم الصحيفة تفاصيل عن ملابسات نشر الصور أو كيفية ظهورها على المنصة، كما لم تصدر حتى الآن تعليقات رسمية من الشركة أو من جهات إسرائيلية بشأن الحادثة. بيد أن الباحث الهولندي في الأمن السيبراني جور فان بيرغن ذكر في منشور على منصة "إكس" أن المستشار القانوني لشركة "باراغون" هو من قام برفع الصورة على لينكدإن عن طريق الخطأ، مما أدى إلى كشف لوحة التحكم الخاصة بالبرنامج.
And stay updated with our latest activities, news, and publications!