هذا الأسبوع، نركّز رسالتنا على التغطيات التالية، التي تُعزّز واقعًا نُوثّقه ونفحصه بشكل متزايد حول كيفية قيام المنصّات الرقمية (بوصفها بنى تحتيّة) بتشكيل الحياة اليومية للفلسطينيين/ات وفي كثير من الحالات تقييدها. من انتشار سرديات الجريمة المنظّمة على تيك توك إلى تجريم التعبير عبر الإنترنت، باتت المنصّات تؤثّر مباشرةً في الأمان وحرية التعبير وديناميكيات المجتمع على الأرض.
وفي الوقت نفسه، تستمر العوائق البنيوية في الحدّ من وصول الفلسطينيين/ات إلى الاقتصاد الرقمي. فعلى الرغم من جاهزية البنية التحتية بدرجة كبيرة، ما تزال المدفوعات الرقمية هامشية، بينما تُفاقم حوكمة المنصّات والقيود المالية وفجوات الثقة من استبعاد الفلسطينيين/ات عن مشاركة مجدية. وحتى البدائل الناشئة تعكس في كثير من الأحيان استجابة للرقابة واستغلال البيانات أكثر مما تعكس خيارًا حرًا وحقيقيًا.
بالنسبة لحملة، هذه لحظة مفصلية. إذ يتركّز عملنا المتواصل بشكل متزايد على تفكيك الأضرار التي تقودها المنصّات، من تأثير الخوارزميات إلى الإقصاء المالي، لضمان أن تخدم المساحات الرقمية الفلسطينيين/ات، بدل أن تتحوّل إلى أدوات للتحكم بهم.
في الأسابيع الأخيرة، أثار خلل أصاب محفظة "Pal Pay" موجة من الغضب بين المستخدمين في قطاع غزة، بعد أن خُصمت الأموال من حساباتهم دون أن تصلّ إلى المستلمين. وسؤال واحد يتكرر: أين ذهبت الأموال؟ بعض المستخدمين استعادوا أموالهم، وآخرون وصلت حوالاتهم بعد أيام، فيما لا يزال آخرون عالقين في حالة انتظار وقلق، وسط بطء واضح في استجابة الدعم الفني وعدم توفر قنوات اتصال فعالة. تُعد "Pal Pay" واحدة من أبرز المحافظ الإلكترونية المستخدمة في القطاع، حيث يمكن تنزيل التطبيق الخاص بها عبر "Google Play" واستخدامها لإجراء المعاملات المالية. وقد ازداد الاعتماد عليها في ظلّ أزمة السيولة النقدية، نتيجة شحّ النقد الورقي وتقييد السحب من البنوك منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية في أكتوبر 2023 وحتى اليوم؛ ما جعلها أداة شبه أساسية في الحياة اليومية.
تشهد الضفة الغربية المحتلة في الشهور الأخيرة وضعًا أمنيًا وإنسانيًا متدهورًا مع ارتفاع كبير في الإصابات بين المدنيين، والهجمات والهدم والاستيطان والاعتقالات؛ ما يُبقي الوضع الأمني هناك مثيرًا للقلق، بحسب تحذيرات وكالات الإغاثة التابعة للأمم المتحدة. كما تشهد الساحة الرقمية الفلسطينية منذ أعوام تصاعدًا ملحوظًا في عمليات الملاحقة والاعتقال من قبل الاحتلال الإسرائيلي، على خلفية ما يُنشر أو يُشارك على منصات التواصل الاجتماعي؛ لا سيما خلال فترات التصعيد العسكري أو السياسي، وتشير المعطيات الحقوقية إلى اتجاه تصاعدي في الاعتقالات المرتبطة بالنشاط الرقمي قبل عام 2023، إلا أن هذا المنحنى شهد ارتفاعًا حادًا خلال وبعد أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023؛ خصوصًا في الضفة الغربية المحتلة، التي تشهد منذ ذلك الحين موجة واسعة من الاعتقالات. ويُستخدم مصطلح التحريض الرقمي لوصف منشورات أو تفاعلات على وسائل التواصل الاجتماعي تُفسَّر أمنيًا باعتبارها تشجيعًا أو تبريرًا للعنف، دون اشتراط وجود دعوة مباشرة أو صريحة، وهو ما يجعل التعبير الشخصي والرأي العام، وحتى التفاعل الرمزي عرضة للملاحقة الجنائية.
نعيش اليوم في حالة تواصل رقمي متسارع، لم تعد فيه اللغة مجرد وسيلة لنقل المعنى، بل أصبحت جزءا من طريقة التفكير والتأثير وصناعة الحضور. ففي منشور على فيسبوك يبدأ بعبارة فصيحة مثل: "ندعو المواطنين إلى المشاركة الفاعلة"، سرعان ما تنزاح التعليقات إلى العامية: "يلا يا جماعة خلينا نشارك"، بينما قد يتخلل النص نفسه كلمات إنجليزية مثل "update" أو "live"، إلى جانب رموز تعبيرية تختصر جملا كاملة. وفي تغريدة قصيرة، قد تحذف حروف أو كلمات كاملة اختصارا للمساحة، فيما يطغى في تيك توك خطاب شفهي عامي مباشر، يعتمد على الأداء الصوتي والنبرة أكثر من اعتماده على البناء اللغوي التقليدي. في هذا المشهد، لم تعد اللغة ثابتة أو محكومة بقواعدها الكلاسيكية الصارمة، بل أصبحت في حالة تشكل مستمر، تتأثر بسرعة المنصات الرقمية وطبيعة التفاعل الفوري. ومع هذا التحول، تبرز اشكالية العلاقة بين المعيارية اللغوية والتعبير الحر، ليس بوصفها قضية لغوية مجردة، بل كجزء من تحول أوسع يمس طبيعة الخطاب الرقمي الفلسطيني، الذي يتشكل في سياق مشحون بالهوية والسياسة والسعي الدائم لإثبات الوجود. تاريخيا، ارتبطت اللغة العربية بمفهوم المعيارية، حيث شكلت الفصحى الإطار المرجعي للتعبير الصحيح في الكتابة والخطاب الرسمي والإعلامي. غير ان الفضاء الرقمي، بما يتيحه من حرية في التعبير وسرعة في التداول، أسهم في زعزعة هذا الإطار، وفتح المجال امام انماط لغوية هجينة، تتداخل فيها الفصحى مع العامية، وتتأثر باللغات الأجنبية، خاصة الإنجليزية، الى جانب انتشار الرموز التعبيرية والاختصارات ولم يعد هذا التداخل ظاهرة هامشية، بل أصبح سمة أساسية من سمات الخطاب الرقمي، فلسطينيا وعربيا.
أصدر معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس) بالشراكة مع منظمة مجتمعات عالمية (Global Communities – GC) وبتمويل من الحكومة السويدية، تقريراً تحليلياً حول منظومة المدفوعات الرقمية في فلسطين. يسلط الضوء على فجوة تبني هذه المدفوعات، من خلال مقارنة مستوى الجاهزية المؤسسية بسلوك المستخدمين، ويحدد التقرير الفجوات الرئيسية، ويطرح توصيات عملية وسياساتية لتعزيز التبني وتسريع التحول نحو اقتصاد رقمي أقل اعتماداً على النقد. وأظهرت نتائج التقرير وجود فجوة واضحة بين الجاهزية المؤسسية المتقدمة (من حيث البنية التحتية والتشريعات) وبين سلوك المستخدمين الذي لا يزال يعتمد بشكل كبير على النقد، نتيجة ضعف الثقة، ومحدودية الوعي، وغياب الحوافز الاقتصادية الكافية، خاصة لدى المنشآت المتناهية الصغير والصغيرة والمتوسطة. وأكد التقرير على أن التحدي الرئيسي لم يعد تقنياً، بل يرتبط بعوامل سلوكية ومؤسسية وهيكلية على جانب الطلب، مما يتطلب تدخلات متكاملة لمعالجة هذه الفجوة.
And stay updated with our latest activities, news, and publications!