تؤكد تطورات هذا الأسبوع تحذيرًا بات من الصعب تجاهله. فمن رقمنة أنظمة تسجيل الأراضي التي تُسهم في تسهيل الضم، إلى التوسع في استخدام تقنيات المراقبة والتقنيات العسكرية المرتبطة بانتهاكات حقوق الفلسطينيين/ات، وصولًا إلى الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي في الحروب، تُوظَّف التكنولوجيا اليوم بطرق تعيد تشكيل الحقوق، وموازين القوة، وآليات المساءلة.
وفي الوقت ذاته، تسلط القصص التي برزت هذا الأسبوع الضوء على أهمية التوثيق، وجمع الأدلة، والرقابة العامة. فجهود أرشفة الانتهاكات، والتحقيق في دور شركات التكنولوجيا، وكشف الآثار الإنسانية للأنظمة الرقمية، تظل أدوات أساسية لتعزيز المساءلة.
ومع تسارع التحول الرقمي عالميًا وفي فلسطين، لا يكمن التحدي في تبني التقنيات الجديدة فحسب، بل في ضمان خضوعها لمبادئ حقوق الإنسان، والشفافية، والرقابة الفاعلة. الرهان اليوم بات واضحًا أكثر من أي وقت مضى: إن مستقبل حوكمة الفضاء الرقمي ستكون له آثار مباشرة على العدالة، والحقوق، والمساءلة الديمقراطية.
القدس – رفضت أوساط رسمية فلسطينية شروع سلطات الاحتلال الإسرائيلي في خطوات جديدة لتسجيل أراضي الضفة، ودعت جميع المواطنين المقيمين في الضفة الغربية أو خارجها إلى عدم التعاطي مع أي "جهات أو لجان أو منصات أو إجراءات" إسرائيلية، فيما يتعلق بالأراضي والعقارات، إلا بعد الرجوع للجهات الفلسطينية المختصة. وأمس أطلقت سلطات الاحتلال منصة إلكترونية لتحديث الملكيات في الضفة الغربية المحتلة، وفق بيان لمحافظة القدس وهيئة مقاومة الجدار. وقالت سلطة الأراضي، في بيان، إن إطلاق الاحتلال المنصة هو بمثابة "خطوة استعمارية احتلالية خطيرة تمثل اعتداء مباشرا على حقوق الشعب الفلسطيني التاريخية والقانونية في أرضه وممتلكاته". وطالبت المواطنين بالرجوع إليها، قبل القيام بأعمال "تسجيل الأراضي أو تسويتها أو حصر الملكيات أو تحديث البيانات العقارية أو تقديم الوثائق والمستندات الخاصة بالأراضي والعقارات، أو الإفصاح عن أي معلومات تتعلق بالملكية". كما دعت المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، والمحكمة الجنائية الدولية، وكافة المؤسسات الحقوقية والقانونية الدولية، إلى "تحمل مسؤولياتها العاجلة لوقف هذه الإجراءات غير القانونية، ومحاسبة دولة الاحتلال على انتهاكاتها المستمرة بحق الشعب الفلسطيني وأرضه ومقدراته". ووفق رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية (حكومية) مؤيد شعبان، في بيان، فإن سلطات الاحتلال الإسرائيلي أطلقت الأربعاء نظام "سجل الأراضي وتسوية الحقوق" الإلكتروني في الأرض الفلسطينية المحتلة، وهو ما "يكشف بصورة صريحة انتقال الاحتلال من سياسات السيطرة الميدانية التقليدية إلى هندسة استعمارية رقمية وإدارية تهدف إلى فرض وقائع قانونية دائمة على الأرض الفلسطينية المحتلة".
دشنت شبكة تعاونية من المحققين الرقميين والناشطين الحقوقيين منصة إلكترونية مبتكرة تحت اسم «Genocide.live»، تهدف إلى بناء أرشيف رقمي شامل ومفتوح المصدر لتوثيق الانتهاكات العسكرية الإسرائيلية. وتعمل هذه المنصة تحت إشراف مجموعة «Databases for Palestine»، حيث نجحت حتى أواخر شهر مايو 2026 في حشد قاعدة بيانات ضخمة تضم 19,899 سجلاً موثقاً، تشمل مقاطع فيديو ومنشورات ميدانية تمنع ضياع الأدلة المرتبطة بالعمليات العسكرية. تعتمد المنصة على بنية تقنية متطورة تتيح للباحثين والصحفيين تصفية البيانات عبر أربعة مسارات رئيسية، تبدأ بالجداول الزمنية الدقيقة للأحداث والأزمات الإنسانية، وصولاً إلى خرائط تفاعلية تربط المواد المصورة بإحداثيات جغرافية محددة. كما تتضمن قواعد البيانات تصنيفات خاصة لتحديد أنواع الأسلحة والذخائر المستخدمة، بالإضافة إلى تتبع الوحدات والألوية العسكرية الناشطة ميدانياً لرصد الهياكل القيادية التابعة للاحتلال. وخصص القائمون على الموقع حيزاً واسعاً لتوثيق الانتهاكات التي طالت «أسطول الصمود العالمي» خلال شهري أبريل ومايو 2026، بما في ذلك شهادات مصورة لناشطين دوليين من جنسيات أمريكية وأوروبية. وتكشف هذه الشهادات عن تعرض المتضامنين لسوء المعاملة والعنف أثناء اعتراض السفن في عرض البحر المتوسط، وما تلا ذلك من عمليات احتجاز قسري في ميناء أسدود وسجن كتسيعوت الصحراوي. وفي إطار رصد استهداف الكوادر الإغاثية والإعلامية، أرشف الموقع مواد حديثة تثبت تورط قوات الاحتلال في قتل صحفيين بجنوب لبنان، وتنفيذ ما يُعرف بـ«الضربات الثلاثية» التي تستهدف فرق الدفاع المدني والإنقاذ بشكل مباشر أثناء أداء مهامهم. وتعمل المنصة على فهرسة كل مادة برقم تتبع فريد مع توفير روابط تحميل مباشرة لضمان بقاء النسخ الأصلية بعيداً عن سياسات التقييد والحذف على منصات التواصل الاجتماعي.
لم يعد الحديث عن الذكاء أو التعلّم في عصرنا ترفًا فكريًا أو قضية تخص النخب الأكاديمية فقط، بل أصبح مسألة اجتماعية واقتصادية تمس حياة الأفراد والعائلات والمجتمعات بأكملها. فالعالم يتغيّر بسرعة غير مسبوقة، والتكنولوجيا تعيد تشكيل سوق العمل، وأنماط التواصل، وحتى طريقة التفكير ذاتها. وفي خضم هذا التحوّل الكبير، تبدو الفجوة واضحة بين من يواكب هذا التغيير ويفهم أدواته، وبين من يكتفي بالمشاهدة والقلق والشكوى. المشكلة أن كثيرين ما زالوا يتعاملون مع الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة وكأنها عوالم بعيدة أو معقدة أو تخص فئة محددة من الناس، بينما الواقع يقول إن هذه الأدوات أصبحت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، وتؤثر بصورة مباشرة في التعليم، والإعلام، والاقتصاد، والتجارة، وحتى في تشكيل الرأي العام والوعي الجمعي. وما كان يحتاج قبل سنوات إلى مؤسسات كاملة وفرق عمل كبيرة، بات اليوم يُدار من خلال خوارزميات وأدوات ذكية تختصر الوقت والجهد وتعيد تشكيل قواعد المنافسة. وفي الحالة الفلسطينية تحديدًا، تبدو الصورة أكثر حساسية وتعقيدًا. فالمجتمع الفلسطيني من أكثر المجتمعات استخدامًا لمنصات التواصل الاجتماعي، خصوصًا في ظل الظروف السياسية والاقتصادية الصعبة، حيث أصبحت الهواتف المحمولة والمنصات الرقمية جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، ومتنفسًا للكثيرين، ومصدرًا للأخبار والعمل وحتى الترفيه. لكن المشكلة لا تكمن في الاستخدام بحد ذاته، بل في طبيعة هذا الاستخدام ومستوى الوعي المرتبط به.
منذ السابع من أكتوبر تبدلت أولويات العالم الإعلامية، وتغيرت طبيعة الخطاب الرقمي بصورة واضحة حتى بدا وكأن القضية الفلسطينية أُعيد اختزالها في مشاهد الحرب المباشرة وحدها، بينما تراجعت قضايا أخرى أكثر خطورة واستدامة إلى الهامش رغم أنها تشكل جوهر المشروع الإسرائيلي القائم على فرض وقائع جديدة على الأرض الفلسطينية، خصوصا في الضفة الغربية والقدس المحتلة. وفي خضم التدفق الهائل للصور والمقاطع والأخبار العاجلة والمحتوى السريع تحولت منصات التواصل الاجتماعي - في كثير من الأحيان – إلى مجرد أرشيف بصري للحرب، لا إلى مساحة ضغط حقيقية قادرة على إنتاج وعي متواصل أو رواية سياسية متماسكة. هذا التحول لا يعكس فقط تغيرا في طبيعة التفاعل الرقمي بل يكشف أيضا عن حالة اعتياد خطيرة بدأت تتسلل إلى الوعي الجمعي الفلسطيني والعربي تجاه الانتهاكات اليومية التي تمارسها سلطات الاحتلال؛ الاقتحامات العسكرية، وهدم المنازل، والاعتقالات الجماعية اليومية، والتوسع الاستيطاني، وتهجير التجمعات البدوية، والاعتداء على المقدسات، وإغلاق المدن والقرى بالبوابات الحديدية والحواجز العسكرية، كلها باتت تمر أحيانا باعتبارها تفاصيل يومية لا تحظى إلا بتفاعل محدود وكأن استمرار الجريمة أفقدها قدرتها على إثارة الغضب.
تمسك فاطمة جودة (50 عامًا) بهاتفها كما لو أنها تلمس شيئًا غير مألوف تمامًا، تفتح تطبيق "Chat GPT" بعدما شرحت لها ابنتها ذات الستة عشر عامًا أن هناك تطبيقات لأدوات قادرة على الحديث في كل شيء تقريبًا بلا استثناء. تتأمل الشاشة بتردد ممزوج بفضول ثقيل، كأنها تدخل بابًا لم تكن تعلم بوجوده أصلًا. لم يكن مفهوم أدوات "الذكاء الاصطناعي" حاضرًا في حياتها من قبل. الحرب سحبت من يومها ما هو أهم بكثير: الماء، الطعام، ومحاولة تثبيت حياة صغيرة داخل بيت يتآكل تحت الضغط. في هذا الواقع، يصبح تتبع التحولات التقنية في العالم رفاهية بعيدة، لا مكان لها بين الانقطاع الطويل للإنترنت وبطء الخدمة حين تتوفر أصلًا. ابنتها تعرّفت إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي عبر صديقاتها في المدرسة، ثم نقلت "الاكتشاف" إلى والدتها. بدا الأمر أقرب إلى دهشة مركبة: هاتف صغير يجيب عن الأسئلة، يصغي للحكايات، ويقدم نفسه في صورة الطبيب والباحث والمرشد. فكرة أن "شيئًا ما" في جهاز محمول يمكنه القيام بكل ذلك، جاءت مثيرة بقدر ما كانت غريبة. تصف تجربتها قائلة: "اشتري بطاقة إنترنت كل يومين لأحكي مع تشات جي بي تي أعتبره مرشدي النفسي، قرأت أن ذلك خطأ، لكني أشعر بالراحة، لكن في الآونة الأخيرة مع نزوحي لمكان بلا إنترنت أنا محرومة من استخدام الذكاء الاصطناعي، وحالي كحال نساء كثيرات في المخيم لكن الفرق أنهن لا يعلمن شيئا عن تلك التطبيقات".
And stay updated with our latest activities, news, and publications!