شهد هذا الأسبوع اختتام منتدى فلسطين للنشاط الرقمي (PDAF)، كما أبرزته التغطيات الأخيرة، والذي أتاح نقاشات حول الحقيقة والسردية، والاستخبارات مفتوحة المصدر، والمحو الرقمي، ونزاهة المعلومات. وقد سلّط المنتدى الضوء على حجم القمع الرقمي الذي يواجهه الفلسطينيون/ات، وفي الوقت ذاته شكّل خطوة في الاتجاه الصحيح عبر إتاحة مساحة للتفكير الجماعي وتبادل المعرفة وتعزيز التوافق حول ضرورة المساءلة، سواء من الدول أو من شركات التكنولوجيا.
وفي هذا السياق، نشجّع القرّاء أيضًا على الاطلاع على مقال حديث لمدير وحدة الرصد والتوثيق في مركز حملة حول التحيّز الخوارزمي، يسلّط الضوء على الإزالة المتكررة وغير المبرّرة في كثير من الأحيان للمحتوى الفلسطيني، بما في ذلك المنشورات التي تتضمن العلم الفلسطيني. ويقدّم المقال منظورًا مبسّطًا ومهمًا لكيفية عمل هذه التحيّزات على أرض الواقع.
ومع استمرار الأنظمة الرقمية في تشكيل السرديات والوقائع، يبقى تعزيز الوعي والعمل الجماعي ضرورة أساسية لحماية الحقوق الرقمية الفلسطينية.
لَم يَعُد التمييز ضدّ المُحتوى الفلسطيني أو الدّاعم لفلسطين على منصّات التواصل الاجتماعي مَوضع نِقاش، بل بات حَقيقة موثّقة عبر سنوات من البَحث والرّصد. فقد كَشَفت تقارير ودراسات متعدّدة، من بينها ما أَنتَجَه مركز حملة، عَن أنماط ممنهَجَة من التّقييد والرقابة تستهدف هذا المُحتوى. يَعود ذلك إلى جُملة من العوامل المتداخِلة، في مقدّمتها قُدرة سلطات الاحتلال على التّأثير في سياسات المنصّات، إلى جانب تحيّزات بنيويّة في معايير المجتمع التي تَعتَمِد بشَكل كبير على التّصنيفات القانونيّة الأمريكيّة لمَفهوم "الإرهاب". كما تَلعب أَنظمة الذكاء الاصطناعي والنّماذج اللغوية دورًا محوريًا في تكريس هذا التحيّز، مِن خلال آليات تصنيف وإدارةِ مُحتوى غير محايِدة، فضلًا عن تأثير البيئة السياسية والقانونية التي تَعمل ضمنها هذه الشركات، ووُجود دوائر نُفوذ داعِمة لإسرائيل داخِلها. تَنطلق هذه المادّة لتحليل بُعدٍ أقلّ تناولًا في هذا السياق، يتمثّل في تَقييد وحذْف مُحتوى بسبب نَشر عَلم فلسطين. وتُظهر البيانات التي جَمَعها مركز حملة أنّ هذا النّمط من الحَذف، رغم استعادَة بعض المُحتوى لاحقًا، يعكس خللًا أعمَق في البُنية الخوارزمية لمنصّات التواصل الاجتماعي، ويَكشف عن تحيّزات مضمَّنة في آليات إدارة المُحتوى تَستهدف الرموز البصرية المرتبِطة بالهوية الفلسطينية. وثّقت العديد من الحالات التي حَذفت فيها منصّات شركة ميتا مُحتوىً يتضمّن عَلم فلسطين، رغم خلوّه من أيّ مخالفة صريحة لسياسات الشركة، ودون تقديم مبرّرات واضحة، بما يُشير إلى تحيّز في آليات إنفاذ سياسات إدارة المُحتوى تجاه الرّموز والرواية الفلسطينية. ففي شهر تمّوز الماضي، تعرّضَت صفحة بلدية البيرة لتقييد بَعد نَشر صورة تُظهر علم فلسطين وقبّة الصخرة، حيث أَزالت المنصّة المنشور بالكامل بدعوى مخالفته معاييرَ المجتمع، دون تحديد السياسَة المنتهَكَة. وبصورة مشابهة، أزالَت منصّة فيسبوك مُحتوى مطابقًا من الصفحة الرسمية لبلدية رام الله، مع الإشارة إلى مخالفته سياسةَ "المنظّمات والأفراد الخَطرون"، ما أدّى إلى فَرض قيود على الصفحة.
لم تعد السياسة تُصنع في غرف القرار فقط، ولم يعد تشكيل الرأي العام حكرًا على الأحزاب أو وسائل الإعلام التقليدية، بل انتقل مركز الثقل إلى فضاء أكثر تعقيدًا وخطورة، هو فضاء المنصات الرقمية. في هذا الفضاء، لا تُقاس القوة بعدد الأصوات أو البرامج السياسية، بل بقدرة الخوارزميات على توجيه الانتباه، وإعادة ترتيب الأولويات، وصناعة الإدراك الجمعي بطريقة غير مرئية. وهنا تبدأ ملامح ما يمكن تسميته بـ “تكنولوجيا السياسة”، حيث تتحول الخوارزمية من أداة تقنية إلى فاعل سياسي غير معلن. في الحالة الفلسطينية، لا يمكن قراءة هذا التحول بمعزل عن السياق العام الذي يعيشه المجتمع، فواقع يتسم بالضغط السياسي والاقتصادي، وبالقيود اليومية، يجعل الفضاء الرقمي ليس مجرد مساحة تواصل، بل مساحة بديلة للحياة والتعبير. هذا ما يفسر الاندماج العميق للفلسطينيين في المنصات الرقمية، ليس فقط كوسيلة للترفيه، بل كبيئة تمنح شعورًا نسبيًا بالحرية والسيطرة، حتى لو كان هذا الشعور مصنوعًا داخل بنية خوارزمية دقيقة. لكن المشكلة لا تبدأ من الاستخدام، بل من طبيعة النظام الذي يدير هذا الاستخدام. فالخوارزميات لا تعمل وفق منطق الحقيقة أو المصلحة العامة، بل وفق منطق التفاعل. هي لا تسأل من على حق، بل تسأل ما الذي يجعل المستخدم يبقى أطول ويتفاعل أكثر. وبهذا المعنى، فإن المحتوى الأكثر حدة وغضبًا واستفزازًا يصبح الأكثر انتشارًا، ليس لأنه الأكثر دقة، بل لأنه الأكثر قدرة على جذب الانتباه. ومع الوقت، لا تعود المنصة تعكس الواقع، بل تعيد تشكيله.
واشنطن - أعلنت "ميتا" أن منصة انستغرام ستتوقف عن دعم ميزة التشفير التام بين الطرفين في الرسائل الخاصة ابتداءً من 8 مايو/أيار 2026، في خطوة مفاجئة قد تعيد إشعال الجدل العالمي حول التوازن بين الخصوصية الرقمية ومتطلبات الإشراف على المحتوى في شبكات التواصل الاجتماعي. ويعني القرار عمليًا إنهاء تجربة التشفير الكامل في الرسائل الخاصة داخل إنستاغرام، وهي ميزة كانت تتيح للمستخدمين إجراء محادثات لا يمكن الاطلاع على محتواها إلا من قبل المرسل والمتلقي، حتى بالنسبة للشركة نفسها. وتُعرف هذه التقنية باسم "End-to-End Encryption"، وهي إحدى أهم أدوات حماية الخصوصية الرقمية التي تعتمدها تطبيقات المراسلة الحديثة. وقالت الشركة إن المحادثات المشفرة الحالية ستتوقف عن العمل بعد الموعد المحدد، مشيرة إلى أنها بدأت بالفعل بإخطار المستخدمين الذين استخدموا الميزة، داعيةً إياهم إلى تنزيل أو حفظ الرسائل والوسائط التي يرغبون بالاحتفاظ بها قبل إيقاف الخدمة. وكانت الشركة قد طرحت الميزة بصورة تجريبية في السنوات الأخيرة ضمن خططها لتعزيز الخصوصية في منصاتها، لكنها ظلت خيارًا اختياريًا ولم تتحول إلى إعداد افتراضي كما هو الحال في تطبيقات مراسلة أخرى. وبحسب تقارير تقنية، بررت الشركة قرارها بأن استخدام ميزة التشفير الكامل في إنستاغرام ظل محدودًا مقارنة ببقية وظائف الرسائل، ما جعل الاستمرار في تطويرها وصيانتها أقل جدوى من الناحية التقنية والاقتصادية.
كشفت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي يعتمد على منظومة ذكاء اصطناعي متقدمة طُوّرت وتم تجربتها للمرة الأولى خلال الحرب على غزة، لاستخدامها في ساحات قتال أخرى، من بينها لبنان وإيران، حيث تُوظَّف في رصد الطائرات المسيّرة وإطلاق الإنذارات المبكرة من الصواريخ والقذائف المضادة للدروع. وبحسب التقرير، فإن المنظومة، التي تُعرف داخل الجيش باسم "مصنع المعلومات والذكاء الاصطناعي العملياتي"، قادرة على دمج ومعالجة أنواع مختلفة من البيانات، بما يشمل الفيديو والنصوص والتسجيلات الصوتية، بهدف إنتاج صورة عملياتية موحّدة ومشتركة بين جميع الوحدات. كما يظهر أن استخدامها لا يقتصر على الأغراض الدفاعية، بل يمتد إلى تحليل أهداف الهجمات وبناء خطط الضربات، ما يعكس إدخال الذكاء الاصطناعي في صلب العمليات الهجومية. وأشار مصدر عسكري إلى أن النظام يعالج البيانات بشكل فوري، بما في ذلك الاتصالات اللاسلكية ومعطيات الإطلاقات وعمليات الاعتراض، "الأمر الذي يسهم في رفع دقة الاستهداف وتحسين عملية اتخاذ القرار". كما يتيح هذا التكامل للوحدات المختلفة تطوير أدوات وتطبيقات خاصة بها وفق احتياجاتها الميدانية، وفق التقرير. ويُعد هذا التحول، بحسب التقرير، "خطوة متقدمة مقارنة بجيوش أخرى، إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي يُستخدم بشكل محدود، بل أصبح جزءًا من بنية سحابية واسعة تربط بين كميات كبيرة من البيانات وتوفر قدرات تحليل متقدمة. وقد طُوّرت هذه البنية عبر شعبة الاتصالات العسكرية، وتُشغّلها وحدات متخصصة أُنشئت حديثًا".
يمكن تخيل الأمن الخوارزمي كمصنع؛ عند المدخل تدخل البيانات: وجه التقطته كاميرا، وإشارة أرسلها هاتف، ومعاملة سجلها نظام، وموقع رصده برنامج، ونمط تواصل رسمته اتصالات متراكمة على أشهُر، تمر هذه البيانات بمحطات التنقية والربط والتصنيف، حتى تخرج في نهاية الخط في صورة رقم. يُترجم الرقم إلى توصية يوقّع عليها إنسان. والإنسان هنا، يُمنح أو يُحرم، يعبر أو يُوقّف، يُراقَب أو يُترك. غير أن المصنع لا ينبثق من العدم، ولا تُنتجه الخوارزمية بنفسها؛ الدولة هي التي تبنيه، وتُموله، وتُقرر ماذا يُنتج، ومَن تطاله مخرجاته. إن هذه النقطة محورية، لكنها كثيراً ما تضيع في النقاشات التقنية حول ذكاء اصطناعي وأتمتة القرار؛ إذ إن الأنظمة الخوارزمية ليست سلطةً جديدة تُنازع الدولة أو تستقل عنها، إنما هي امتداد لسلطتها بأدوات أوسع نطاقاً وأقل كلفةً وأصعب مساءلةً. والذي يتغير ليس مَن يملك القرار، إنما حجم القرارات الممكنة في وحدة الزمن، وعمق غياب المسؤول عنها. وحين نتأمل المنظومة الأمنية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لا نجد مختبراً تقنياً يعمل من فراغ، إنما نجد دولة احتلال وظفت أحدث أدوات الضبط الرقمي في خدمة مشروع سياسي قائم منذ عقود: السيطرة على حركة شعب بأكمله، وتصنيف وجوده بين خطر مقبول وخطر يجب إدارته.
And stay updated with our latest activities, news, and publications!