تُشكّل تطورات هذا الأسبوع تذكيرًا قويًا بأهمية وإلحاح النضال من أجل الحقوق الرقمية الفلسطينية. فالعديد من القضايا التي تصدّرت العناوين مؤخرًا هي قضايا عمل مركز حملة على توثيقها والبحث فيها والمناصرة بشأنها على مدار سنوات. فمن العوائق المنهجية التي تحول دون وصول الفلسطينيين/ت إلى منصات الاقتصاد الرقمي العالمية، إلى الأدلة الجديدة التي تكشف استمرار ميتا في تقييد الأصوات الفلسطينية، وصولًا إلى تداعيات اختراق بيانات برنامج الأغذية العالمي الذي طال مئات الآلاف من الفلسطينيين/ت في غزة، يتضح خيط مشترك يربط هذه القضايا جميعًا: الإقصاء الرقمي والتمييز والأضرار الرقمية ليست حوادث منفصلة، بل تحديات بنيوية تتطلب مساءلة مستمرة واستجابة جادة.
قد يبدو هذا العمل أحيانًا وكأنه معركة شاقة، إلا أن تزايد حضور هذه القضايا في التغطية الإعلامية والنقاشات السياساتية وفضاءات المجتمع المدني يؤكد أن المناصرة القائمة على الأدلة تُحدث فرقًا حقيقيًا. كما يعزز ذلك أهمية الاستمرار في توثيق الانتهاكات، ومواجهة الممارسات الضارة، والدفع نحو مستقبل رقمي يتمكن فيه الفلسطينيون والفلسطينيات من المشاركة بأمان وحرية وكرامة.
تعود أصول تطوّر الإنترنت بشكله الحالي إلى ستينيات القرن العشرين، بفعل مبادرات تدعمها وزارة الدفاع الأمريكية لأغراض عسكرية قبل أنّ يتطوّر الإنترنت ويُتاح للاستخدام العام في تسعينيات القرن نفسه. كذلك، طوّرت وزارة الدفاع الأمريكية نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) في بداية سبعينيات القرن العشرين لغايات عسكرية مثل الاستطلاع وتحديد مواقع القوات والقطع العسكرية قبل أن يُتاح للاستخدام المدني في فترة الثمانينيات. هذان ليسا سوى مثالين من بين كثير من الوقائع التاريخية التي تبرهن على أن تقنيات رقمية عدّة نشأت ضمن سياقات عسكرية قبل أن تُعاد صياغتها كمنتجات مدنية. وكثيراً ما اضطلعت الشركات الكبرى بدور محوري في دعم البُنى الاستعمارية الأوروبية في الجنوب العالمي، من شركة الهند الشرقية في القرن الثامن عشر وصولاً إلى كبرى شركات التكنولوجيا الكبرى في الوقت الراهن، وذلك سواء عبر إدارة الموارد أو توفير البنى التحتية الاقتصادية والتقنية التي مكّنت أنظمة السيطرة الكولونيالية من التوسّع والاستمرار. وفي سياق الاحتلال الاستيطاني الإسرائيلي في فلسطين، لا تشكّل الشركات المتعدّدة الجنسيات استثناءً، بل تؤدي شركات تكنولوجيا كبرى أدواراً مباشرة وغير مباشرة في منظومة السيطرة والمراقبة الإسرائيلية القائمة على التهجير القسري، والاستيطان، وإدارة الاحتلال، وتكريس أنماط من السيطرة على الأرض والسكان الفلسطينيين.
تقمع شركة ميتا المحتوى الفلسطيني منهجياً، ولا يمكن تفسير ذلك باعتباره أخطاءً فردية، وإذ يعكس هذا القمع أنماطاً متكرّرة في تطبيق السياسات وآليات الإشراف على المحتوى، بحسب نتائج بحثٍ جديد صادر عن المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي (حملة) بعنوان "الإبادة الرقمية لفلسطين عبر منصات التواصل". رصد البحث أنماط الرقابة والقمع التي استهدفت المحتوى الفلسطيني عبر منصات ميتا، وتحديداً "فيسبوك" و"إنستغرام"، مستنداً إلى تحليل 3520 حالة وُثّقت عبر المرصد الفلسطيني لانتهاكات الحقوق الرقمية (حُر) بين عامي 2021 و2025، وشملت شكاوى تتعلق بحذف المحتوى، وتعليق الحسابات، وفرض قيود على المستخدمين، وتقليص الوصول للمنشورات، إضافةً لمتابعة آليات استجابة الشركة للاعتراضات المقدّمة من المستخدمين والمؤسسات الحقوقية. ركّز الباحث الرئيسي فابيو كريستيانو من جامعة أوترخت الهولندية على ثلاثة محاور رئيسية، وهي سياسات "ميتا"، وآليات تنفيذ الإشراف على المحتوى، والتواصل مع المستخدمين المتضرّرين. وبيّنت النتائج عن قصور كبير في الشفافية، ففي 67.5% من الحالات الموثقة لم يحصل المستخدمون على جواب واضح حول السياسة التي زُعم مخالفتها. فيما بقي العديد من طلبات الاستئناف من دون ردّ، وتجاهلت الشركة نحو نصف طلبات الاستئناف التي قدمها "حملة" بين عامي 2021 و2025، والبالغ عددها 2800 طلب.
حذّرت دراسة حديثة أصدرها مركز "الزيتونة للدراسات والاستشارات" (مقره بيروت)، من أن المقترحات المتداولة لإطلاق عملة رقمية خاصة بقطاع غزة، والمطروحة كأحد الحلول لأزمة السيولة النقدية الخانقة، قد تؤدي إلى تكريس الانفصال المالي بين قطاع غزة والضفة الغربية، بما يهدد وحدة النظام المالي الفلسطيني ويقوض دور مؤسساته النقدية الوطنية. وتحمل الدراسة، التي أعدها الباحث الفلسطيني الدكتور رائد محمد حلس بعنوان: "أزمة السيولة النقدية ومخاطر التحول إلى العملة الرقمية في قطاع غزة: تداعيات الانفصال المالي على النظام المالي الفلسطيني"، قراءة معمقة لأسباب أزمة السيولة غير المسبوقة التي يعاني منها القطاع في ظل الحرب والحصار، كما تستعرض التداعيات الاقتصادية والسياسية المحتملة للحلول المقترحة لمعالجتها. وتوضح الدراسة أن أزمة السيولة تفاقمت بصورة حادة نتيجة تدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية المصرفية، وتعطل عمل البنوك وأجهزة الصراف الآلي، إلى جانب استمرار القيود المفروضة على إدخال النقد إلى القطاع، الأمر الذي تسبب في اختناقات حادة بالمعاملات المالية اليومية وعجز المؤسسات المصرفية عن تلبية الطلب المتزايد على السيولة. كما تكشف الدراسة أن الحرب أدت إلى توقف معظم القنوات الرئيسة التي كانت تمد غزة بالسيولة النقدية، بما في ذلك شحن الأموال من الضفة الغربية، والتحويلات النقدية التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، والأموال التي كان يجلبها القادمون من الخارج، إضافة إلى تحويلات العمال العاملين داخل "إسرائيل" والمساعدات القطرية النقدية. وأسهم توقف هذه القنوات في حرمان الاقتصاد المحلي من تدفقات مالية كانت تقدر بعشرات ملايين الدولارات شهرياً، ما أدى إلى انكماش حاد في المعروض النقدي وتعميق الاختلالات المالية.
تعد شركات التكنولوجيا العملاقة اليوم شريكاً محورياً في تعزيز أنظمة السيطرة والمراقبة التي تفرضها إسرائيل على الفلسطينيين، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية لهذه الشركات مع الأهداف العسكرية الإسرائيلية لتشكيل بنية تحتية رقمية تساهم في إدارة الاحتلال. تعود أصول التكنولوجيا الرقمية والأنظمة العسكرية إلى بدايات ستينيات القرن العشرين، لكن التحول النوعي في هذه العلاقة حدث عندما أصبحت الشركات الكبرى توفر أدوات الحوسبة السحابية ومعالجة البيانات التي تمنح إسرائيل تفوقاً تكنولوجياً في حروبها المعاصرة. تستغل إسرائيل قطاع التكنولوجيا المتقدم لتحويل فلسطين إلى حقل تجارب مفتوح لأنظمة الذكاء الاصطناعي والمراقبة الحوسبية، حيث تعمل إسرائيل على دمج تقنيات التعرّف إلى الوجوه وتحليل البيانات الضخمة في القدس والضفة الغربية لفرض رقابة صارمة على حركة السكان. تشير تقارير مركز حملة إلى أن هذه الممارسات خلقت حالة من الرعب الرقمي، حيث يعاني 60% من الفلسطينيين من القلق المستمر من المراقبة الرقمية، مما يدفعهم لممارسة الرقابة الذاتية على محتواهم الشخصي خشية الملاحقة الأمنية. تمتلك إسرائيل منظومة متكاملة من الأنظمة العسكرية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، منها نظام “لافندر” الذي يصنف الفلسطينيين كأهداف بناءً على نشاطهم الرقمي والاجتماعي، ونظام “أين أبي؟” الذي يحدد لحظات عودة الأفراد إلى منازلهم لتسهيل عمليات الاستهداف. تتولى هذه الخوارزميات تقليص دورة اتخاذ القرار العسكري إلى مسار سريع مدعوم آلياً، مما يقلص المسؤولية البشرية عن النتائج الكارثية ويؤدي إلى سقوط مئات الضحايا المدنيين في هجمات مدروسة تستخدم أدوات تكنولوجية متطورة في التتبع والتحليل.
And stay updated with our latest activities, news, and publications!