إن النضال من أجل الحقوق الرقمية الفلسطينية هو أيضًا نضال من أجل الحفاظ على الذاكرة الفلسطينية. وتُبرز تقارير هذا الأسبوع أن الأرشيفات الرقمية ليست مجرد مستودعات للتاريخ، بل تشكل بنية أساسية لحماية الهوية والثقافة والأدلة في مواجهة محاولات الطمس والإلغاء المستمرة. وفي ظل استمرار استهداف الأرشيفات المادية، والمؤسسات الثقافية، والموروث الثقافي، يصبح بناء أرشيفات رقمية مرنة فعلًا من أفعال الحفظ والصمود.
وفي الوقت نفسه، تؤكد التقارير المتواصلة حول رقابة المنصات، وتقنيات المراقبة، والدور المتنامي للذكاء الاصطناعي في أنظمة السيطرة، حقيقة أوسع تتمثل في أن التقنيات الرقمية باتت تؤثر في تحديد أي الروايات تبقى، وأي الأصوات تُسمع، وأي الحقوق تُصان. ومن هنا، فإن تعزيز المساءلة، والدفاع عن الحقوق الرقمية، والاستثمار في المبادرات الفلسطينية المستقلة لإنتاج المعرفة، والتوثيق، والأرشفة، تمثل جميعها ركائز أساسية لحماية الوجود الفلسطيني، وصون الذاكرة، وضمان الحق في رواية تاريخنا بأصواتنا.
يواجه المجتمع العربي في البلاد، وخصوصًا أبناء المجتمع البدوي في النقب، حملةً متواصلة من التحريض والخطاب العنصري في الفضاء الرقمي، وسط انتشار متزايد للمعلومات المضللة والمضامين التي تكرّس الصور النمطية السلبية. وتسهم هذه الخطابات في التأثير على الرأي العام وإعادة إنتاج تصورات مشوّهة عن المجتمع البدوي، بما يعمّق مظاهر التهميش والعداء تجاهه. ويكشف بحث مشترك أعدّه مركز "أكورد" ومؤسسة "فايك ريبورتر" أن 56% من الخطاب الرقمي في المجتمع اليهودي المتعلق بالمجتمع البدوي يحمل مضامين سلبية، فيما تتركز 34% من هذه المضامين في خطابات عنصرية واستخدام أوصاف تهكمية بحق البدو، مقابل 26.5% تتمحور حول قضايا الحوكمة والسيادة، إلى جانب استخدام أوصاف ومصطلحات تهكمية تستهدف البدو بصورة مباشرة.
تبين أن الحكومة الإسرائيلية مارست ضغوطاً سرية على شركة «ميتا» الأمريكية من أجل إزالة بعض المحتوى من شبكتي «فيسبوك» و«إنستغرام» والمتعلق بالحرب على إيران، حيث طلبت إسرائيل إزالة العديد من المنشورات المؤيدة لطهران أو التي تتضمن انتقاداً للسياسات الإسرائيلية. وكشفت وثائق داخلية نشرها موقع «ذي إنترسبت» الإخباري الأمريكي أن إسرائيل طلبت من «ميتا» إزالة الكثير من المحتوى المتعلق بالحرب الأخيرة، ومن بين ذلك صور ومقاطع تُظهر آثار الضربات الصاروخية الإيرانية داخل المواقع الإسرائيلية. ووفقاً للوثائق فقد طلبت جهات إسرائيلية من «ميتا» إزالة مواد متنوعة مرتبطة بالحرب، من بينها منشورات تنعى المرشد الإيراني علي خامنئي بعد الإعلان عن اغتياله في 28 شباط/فبراير الماضي، ومحتوى يدعم الرد العسكري الإيراني، فضلاً عن حسابات إيرانية تنشر تحليلات عسكرية أو روايات مؤيدة للموقف الإيراني. وتشير الوثائق إلى أن «ميتا» استجابت لبعض هذه الطلبات، من دون أن يتضح الأساس القانوني أو الإداري الذي استندت إليه في قرارات الحذف.
لم تعد الكلمة في العصر الرقمي مجرد وسيلة للتعبير أو نقل المعرفة، بل أصبحت، في كثير من الأحيان، أداة قادرة على صناعة الوعي أو تدميره، وعلى حماية السمعة أو اغتيالها. ومع الانفجار الهائل في استخدام منصات التواصل الاجتماعي، وتطور أدوات الذكاء الاصطناعي، لم يعد التشهير مجرد تجاوز أخلاقي أو مخالفة قانونية، بل تحول إلى ظاهرة مجتمعية عابرة للحدود، تهدد الثقة العامة، وتستهدف الأفراد والمؤسسات، وتضع الإعلام أمام اختبار غير مسبوق لمسؤوليته المهنية والأخلاقية. وتكتسب هذه الظاهرة في فلسطين أبعادًا أكثر تعقيدًا، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي، وحرب الإبادة التي تستهدف قطاع غزة، وما يرافقها من استقطاب سياسي واجتماعي وحروب إعلامية متواصلة. ففي مثل هذا الواقع، تصبح الكلمة جزءًا من معركة الوعي، ويغدو نشر المعلومات مسؤولية وطنية قبل أن يكون ممارسة إعلامية، بينما يتحول التشهير إلى وسيلة لتقويض الثقة، وتشويه السمعة، وإضعاف الجبهة الداخلية.
أطلقت الممثلة الأسترالية الحائزة جوائز عدة، كيت بلانشيت، أداة جديدة تحمل اسم "سجل الموافقة البشرية"، تهدف إلى تمكين الأفراد من التحكم في استخدام هوياتهم وصورهم وأصواتهم وسماتهم الشخصية في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والحد من مخاطر التزييف العميق. وكُشف عن الأداة خلال فعالية استضافتها عضوة البرلمان الأوروبي إيفا مايدل في بروكسل، بحضور عدد من الشخصيات البارزة، من بينهم المخرج ستيفن سودربرغ. وقالت بلانشيت إن الهوية الشخصية أصبحت شكلاً من أشكال الملكية الفكرية في عصر الذكاء الاصطناعي، مؤكدة أن لكل شخص الحق في تحديد ما إذا كان يسمح باستخدام بياناته من قبل أنظمة الذكاء الاصطناعي أم لا.
And stay updated with our latest activities, news, and publications!