لم تعد معركة الرواية الإسرائيلية تدور فقط في الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بل انتقلت إلى ساحة أكثر خفاءً وتأثيرًا، وتتمثل في الإجابات التي تقدمها روبوتات الدردشة لملايين المستخدمين حول العالم. وفي قلب هذه المعركة، ظهر موقع إلكتروني يقدم نفسه على أنه مركز أبحاث أميركي مستقل، بينما تشير تحقيقات ووثائق رسمية إلى ارتباطه بحملة ممولة من إسرائيل تستهدف التأثير في المحتوى الذي تتعلم منه أنظمة الذكاء الاصطناعي، وفقًا لتقرير نشرته صحيفة «الغارديان». الموقع حمل اسم «معهد هانوفر للسياسات العامة»، ونشر خلال تسعة أيام فقط 124 تقريرًا تجاوز مجموعها 560 ألف كلمة، بمعدل يقارب 4500 كلمة للتقرير الواحد. وفي يومي 12 و13 أغسطس/آب وحدهما، نشر الموقع 73 تقريرًا بلغ مجموعها نحو 354 ألف كلمة، قبل أن يتوقف عن نشر مواد جديدة. ولم يكن اختيار موضوعات هذه التقارير عشوائيًا، إذ تناولت قضايا شديدة الحساسية مرتبطة بالحرب في غزة، من بينها تعذيب الأسرى الفلسطينيين وجرائم الحرب الإسرائيلية وما إذا كانت إسرائيل تعمدت تجويع الفلسطينيين، لكن المواد قدمت في قالب بحثي يوحي بالحياد والاستقلالية.
افتتحت إسرائيل جبهة جديدة في صراعها طويل الأمد على الشرعية الدولية: وهي الفضاء المعلوماتي الأمريكي. إن حجم هذا الجهد لافت للنظر. ففي يوليو/تموز 2026، أقر الكنيست الإسرائيلي أن الحكومة خصصت نحو 1.2 مليار شيكل (نحو 324 مليون دولار) لجهود الاتصالات والدبلوماسية العامة. وأشارت اتفاقية ميزانية منفصلة لعام 2026 تم الإبلاغ عنها في ديسمبر/كانون الأول 2025 إلى أن الرقم المخصص لحملات المناصرة بلغ 2.35 مليار شيكل (نحو 635 مليون دولار). ولا ينبغي التعامل مع هذه الأرقام على أنها ميزانيات متطابقة، لكنها تُظهر معا مدى التوسع الهائل في الإنفاق الإسرائيلي على ما يُطلق عليه "الهاسبرا" (Hasbara)، أو الدبلوماسية العامة. غير أن السؤال الجوهري لا يتعلق بما إذا كان بإمكان إسرائيل الإنفاق بما يكفي للتأثير على الأمريكيين، بل يتعلق بما إذا كانت الأموال قادرة على تعويض الفجوة المتسعة في المصداقية بين الرواية الإسرائيلية وما يراه الأمريكيون يحدث في قطاع غزة والمنطقة الأوسع. وتشير الأدلة إلى إجابة صعبة: فالأموال قادرة على تضخيم السردية، لكنها لا تستطيع بسهولة إصلاح الظروف السياسية التي تجعل تلك السردية غير مقنعة.
يُمكن أن تُشكّل تطبيقات التكنولوجيا وجمع البيانات أدوات ضارّة، خاصة عند استخدامها بغرض مراقبة وإخضاع الفئات المهمشّة. يتضّح ذلك بكيفيّة استغلال اسرائيل للتكنولوجيا في حربها ضدّ الفلسطينيين، حيث جمعت بيانات من الفلسطينيين لتدريب أدوات ذكاء الاصطناعي، جرى توظيفها ضدّ سكّان غزّة والضفّة الغربيّة. طوّرت إسرائيل أجهزة مراقبة وتجسس مدعومة بالذكاء الاصطناعي كبرنامج بيغاسوس الضّار، كذلك أسلحة تعمل بالذكاء الاصطناعي مثل سمارت شوتر ولافندر حظيت كل منهنّ بإدانة واهتمام كبير. يُعدّ خريجي وحدة الاستخبارات العسكريّة “8200” مطلوبين لشركات تقنيّات المراقبة والتكنولوجيا العسكريّة حتى أنّ هناك مصطلحًا يُطلَق عليه “مسار8200 إلى قطاع التكنولوجيا“. أدانَ خبراء الأمم المتحدة عام 2024 توظيف إسرائيل لأدوات الذكاء الاصطناعي بغرض ارتكاب جرائم لا إنسانيّة في غزة، وبدورها وقّعت في العام نفسه على معاهدة عالميّة تخص الذكاء الاصطناعي وضعها مجلس أوروبا لحماية حقوق الإنسان بغض النظر عن استخدامها لهذه الأدوات في انتهاك هذه المعاهدة. جرى تركيب نظام كاميرات المراقبة الإسرائيليّة (CCTV) المعروفة باسم “مابات 2000″ في أنحاء القدس عام 2000 وشهدت تطويرات وتحديثات كبيرة خاصة في السنوات الأخيرة. رسم تقرير صادر عام 2023 عن منظمة العفو الدولية خريطة لنظام المراقبة الإسرائيلي المرئي، وخَلَص إلى وجود كاميرا واحدة أو اثنتين كل خمسة أمتار في البلدة القديمة في القدس وحيّ الشيخ جرّاح. يقول أحد السكان الفلسطينيين: “كل مرة أرى فيها كاميرا، أشعر بالقلق، وكأنك تُعامَل دائمًا على أنك هدف”. كما تُثبَّت كاميرات المراقبة الإسرائيلية أيضًا على الحواجز ونقاط التفتيش، وتُجمَّع بكثافة على المباني والأبراج في مختلف أنحاء الضفة الغربية المحتلة.
كشف موقع بوليتيكو الأمريكي المتخصص أن إسرائيل تدير حملة رقمية تُقدَّر تكلفتها بنحو 100 ألف دولار، تهدف إلى التأثير على الإجابات التي تقدمها نماذج الذكاء الاصطناعي حول قطاع غزة والجيش الإسرائيلي. وبحسب التقرير، تُدار الحملة عبر موقع إلكتروني يحمل اسم «معهد هانوفر»، حيث أُعدّت محتويات متخصصة تتناول إسرائيل بهدف التأثير على المصادر التي تستقي منها نماذج الذكاء الاصطناعي معلوماتها عند الإجابة عن استفسارات متعلقة بالقضية. وأظهرت اختبارات أجراها بوليتيكو أن بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي استشهدت بالفعل بمحتوى من هذا الموقع عند الإجابة عن أسئلة متعلقة بغزة، ما يثير تساؤلات جدية حول مدى نزاهة وحياد المعلومات التي تعتمد عليها هذه النماذج في القضايا الحساسة والمثيرة للجدل. ودافع القائمون على الحملة عن نشاطهم، زاعمين أن هدفهم هو مكافحة التضليل الإعلامي وتقديم معلومات يمكن التحقق منها، وهو تبرير قوبل بتشكيك واسع في ظل الطبيعة الحساسة للقضية والتساؤلات المشروعة حول أهداف مثل هذه الحملات الممولة والموجهة.
And stay updated with our latest activities, news, and publications!