تعكس قصص هذا الأسبوع أنماطًا يتابعها مركز حملة عن كثب منذ وقت طويل، ولا سيما الطريقة التي باتت فيها التكنولوجيا تلعب دورًا متزايدًا في تحديد من تُسمع أصواتهم، ومن تُزهق أرواحهم. من قمع الشهادات الفلسطينية على الإنترنت وتقليص وصولها، إلى المحاولات الرامية إلى التأثير في البيئة المعلوماتية والطريقة التي تُمثَّل بها فلسطين، نعرف اليوم أكثر مما كنا نعرفه بالأمس. كما أصبح لدينا فهم أوسع للدور المتجذّر والمتزايد للذكاء الاصطناعي والأنظمة المؤتمتة في تسهيل العنف والقمع في الأرض الفلسطينية المحتلة.
ويؤكد ذلك ضرورة مواصلة التوثيق والرصد وإنتاج المعرفة. فكلما تعمّق فهمنا لكيفية مساهمة التكنولوجيا في تسهيل انتهاكات الحقوق وجرائم الحرب وتوسيع نطاقها، وكيف تؤثر أدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة والمهيمنة في تشكيل المعلومات، أصبحنا أكثر قدرة على المطالبة بالمساءلة والشفافية وضمانات تضع حقوق الإنسان قبل القوة التكنولوجية.
في تحليل نشرته الجزيرة، يصوغ الكاتب محمد قاسم مصطلح "إبادة الصدى" لوصف الطريقة التي تقمع بها المنصات الرقمية الشهادات الفلسطينية دون أن تحذفها بالضرورة: إذ يبقى المحتوى على الإنترنت، لكن الحظر الخفي وتعليق الحسابات وتقليص الانتشار الخوارزمي تُضعف الوسيط الذي تنتقل عبره حتى يفقد الصوت صداه. ويستند المقال إلى تجارب صحفيين من بينهم أحمد شهاب الدين، الذي استُخدمت بعض منشوراته في قضية الإبادة الجماعية التي رفعتها جنوب أفريقيا، بينما يقول إن ميتا أخفت صفحته عدة مرات، وإلى آراء خبراء من بينهم جيليان يورك من مؤسسة الحدود الإلكترونية (EFF) ومروة فطافطة من منظمة أكسس ناو (Access Now) التي وصفت هذا القمع بأنه "ممنهج وبنيوي وواسع النطاق". ويخلص المقال إلى أن الرقابة باتت تعمل عبر قرارات موزّعة يتخذها مهندسون وفرق سياسات ومديرو منتجات، فيما تنفي ميتا أنها تقمع أي صوت بعينه بشكل متعمّد.
تُظهر وثائق مقدّمة بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب الأمريكي (FARA)، اطّلع عليها موقع زيتيو، أن الحكومة الإسرائيلية تموّل موقع IsraelFact.com ضمن جهد بقيمة مليون دولار، في ما يبدو محاولةً للتأثير على الإجابات التي تقدّمها روبوتات الدردشة بالذكاء الاصطناعي حول إسرائيل وفلسطين. ويُفصح الموقع بأن إسرائيل تموّله وأنه مسجّل كوكيل أجنبي في الولايات المتحدة، وقد نشر 119 مقالًا خلال شهر واحد، صيغت عناوين كثير منها على شكل أسئلة حول قضايا مثل المستوطنات والأراضي الفلسطينية ووقف إطلاق النار في غزة، وهي صيغة قد تدفع روبوتات الدردشة إلى تقديم رواية مؤيدة لإسرائيل أو التقليل من الروايات المضادة. ويُعدّ الموقع أحدث حلقة في سلسلة من حملات الدعاية والتأثير التي ظهرت في الأشهر الأخيرة.
على مدار الشهر الماضي، واصل موقع "IsraelFact" ضخ المحتوى، مصدراً أحياناً عدة مقالات في اليوم الواحد، حيث صيغ عنوان كل مقال على شكل سؤال. ويتضمن الموقع هذا التنويه: "إسرائيل هي من تدفع مقابل هذا الموقع. نحن مسجلون كعميل أجنبي في الولايات المتحدة." وقد نشر الموقع ما لا يقل عن 119 مقالاً خلال شهر واحد. وتصوغ هذه المقالات المحتوى بشكل كبير بطريقة قد تدفع إجابات روبوتات الدردشة الذكية إلى تقديم إما رواية مؤيدة لإسرائيل أو التقليل من أهمية الروايات المضادة.
في مقال رأي، ترى الناشطة في الدفاع عن حقوق الإنسان الفلسطيني تريسي-موانا كامبل أن الذكاء الاصطناعي، أحد أعظم الإنجازات الفكرية في تاريخ البشرية، قد جرى تحويله إلى أداة للقتل الصناعي في غزة. وتستشهد كامبل بتحقيق مجلة +972 حول نظام "لافندر"، الذي وسم عشرات الآلاف من الفلسطينيين كمشتبه بهم بالانتماء إلى فصائل مسلحة لاستهدافهم، في ظل رقابة بشرية ضئيلة وحدود مسبقة لأعداد الضحايا المدنيين المقبولة. وتحذّر من أن الخوارزميات لا تستطيع تنقية المعلومات الاستخباراتية المشكوك فيها أو التمييزية، وأن السرعة لا تعني الموثوقية، وأن الأتمتة تشتّت المسؤولية بين المحللين والقادة والسياسيين والمهندسين والآلات، داعيةً إلى حظر استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب. طالما خاضت الدول الحروب، فقد مارست الاغتيال والإخفاء القسري والتعذيب والإعدام. ولقد تراكمت لدى البشرية قرون من القوانين في محاولة لكبح تلك القدرة على العنف، أما الآن، فقد سلمنا تلك المهمة للخوارزميات.
يناقش المقال كيف تُستغل مخاوف السلامة من قِبل كبرى شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية كاستراتيجية لحماية احتكاراتها وتقييماتها المليارية عبر فرض تشريعات تُحيّد المنافسين وأصحاب المصادر المفتوحة. في المقابل، يُبرز التقرير التعاطي الجيوسياسي مع التقنية، حيث تُهمل الصين هذه التحذيرات وتراها امتدادًا للحرب الباردة، بينما تسعى فرنسا لتأسيس سيادتها الوطنية في مجال الذكاء الاصطناعي لتجنب التبعية للنماذج الأجنبية. ويكشف هذا التزامن بين تحذيرات السلامة والمخاوف الاقتصادية عن رغبة عمالقة التكنولوجيا في حماية استثماراتهم الضخمة التي تجاوزت مئات المليارات ضد مخاطر تباطؤ النمو. كما تُظهر التجربة التاريخية والمواقف الدولية المتمايزة أن تنظيم التقنية لا يمكن فصله عن أبعاد التنافس الجيوسياسي ومصالح الدول القومية. وبذلك، يتحول خطاب «الذعر Existential Risk» من مجرد حرص تقني على المستقبل إلى أداة نفوذ سياسي واقتصادي لإعادة تشكيل خريطة السيطرة الرقمية العالمية.
And stay updated with our latest activities, news, and publications!