اصدارات
حملات التّشويه الرقميّ والحظر المنصّاتي : سياسات الإسكات ونزع الشّرعيّة عن العمل الحقوقيّ الفلسطينيّ - ورقة موقف جديدة

2020-07-02

أصدر "حملة- المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي"، اليوم الخميس 2.7.2020، ورقة موقف جديدة تحت عنوان "حملات التّشويه الرقميّ والحظر المنصّاتي : سياسات الإسكات ونزع الشّرعيّة عن العمل الحقوقيّ الفلسطينيّ"

 

حملات التّشويه الرقميّ والحظر المنصّاتي[1]: سياسات الإسكات ونزع الشّرعيّة عن العمل الحقوقيّ الفلسطينيّ

 

من إعداد حملة - المركز العربيّ لتطوير الإعلام الاجتماعيّ

 

لمحة عامّة

يتعرّض الناشطون والمدافعون عن حقوق الفلسطينيّين ومنظّمات حقوق الإنسان المعنية، لهجوم الحكومة الإسرائيليّة المتواصل منذ عقود، حيث عملت بشكل ممنهج على إسكاتهم ونزع الشرعية عنهم، في محاولتها  للهيمنة على الخطاب العام المتعلّق بحقوق الإنسان وفلسطين وذلك ضمن سعيها إلى  تحقيق أهدافها السياسيّة غير القانونيّة. يشمل ذلك شنّ هجمات منسّقة ضمن حملة منظّمة تستهدف المناصرين والمدافعين عن حقوق الفلسطينيّين ومنظّمات حقوق الإنسان المعنيّة، والّتي تُنفّذ كجزء من منظومة مؤسّساتية تقودها الحكومة الإسرائيليّة وجهات أخرى مثل المؤسّسات غير الحكوميّة المُدارة حكوميا، والمتصيّدين على الإنترنت. إنّ إحدى السّرديات الّتي تستخدمها إسرائيل لتشويه الواقع، تكمن في تشويه سمعة الناشطين والمدافعين عن حقوق الفلسطينيّين، ومؤسّسات حقوق الإنسان، عبر تصويرهم بأنّهم "إرهابيّون" أو بأنّ هذه المؤسّسات داعمة لــ "الإرهاب"، في سبيل انتزاع الشّرعيّة عن جوهر عملهم المدافع عن حقوق الإنسان. وإضافة إلى استخدامها تعريف مُبهم وغامض لــ "الإرهاب"، فإن معظم مزاعم الحكومة الإسرائيليّة، تستند إلى معلومات مُضلّلة، وتسعى بشكل فعّال لاختلاق ارتباطات زائفة بين خطاب سياسيّ وخطاب حقوقيّ مشروعين، وما تعتبره الحكومة الإسرائيليّة "إرهابًا".

لقد تسبّبت مساعي الحكومة الإسرائيليّة الرامية إلى تشويه سمعة النّاشطين والمدافعين عن حقوق الفلسطينيّين  ومنظّمات حقوق الإنسان المعنيّة، بأضرار مباشرة وحقيقيّة على المستويين الجماعيّ والفرديّ، للحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة الخاصّة بالنّاشطين الفلسطينيين والمنظّمات الفلسطينيّة.

تتطرّق ورقة الموقف تحديدًا إلى كيفيّة عمل إسرائيل على تفكيك المجتمع المدنيّ الفلسطينيّ، والنشاط المناصر لحقوق الفلسطينيّين، مع التّركيز على الأثر البالغ الّذي تخلّفه حملات التّشهويه ونزع الشّرعيّة، على عمل منظّمات حقوق الإنسان. حيث أدّت هذه المحاولات إلى تخفيف أو تشديد القيود الّتي تمارسها الحكومات والشّركات على التّمويل الممنوح للمؤسّسات الفلسطينيّة. وتولي هذه الورقة اهتماما خاصّا إلى "الحظر المنصّاتي"

الّذي تمارسه إسرائيل ضد المؤسّسات عبر إطلاق الحملات الموجّهة إلى منصّات الدّفع الماليّ الرّقميّة. وينجم عن تجفيف تمويل المؤسّسات وحظرها منصّاتيا، إضعافًا إضافيا لنضال الشّعب الفلسطينيّ عبر تقييد قدرته بالدّفاع عن حقوقه. يضاف ذلك إلى استمرار نمو توجّهات عالميّة خطرة موجّهة نحو تقليص مساحة حريّة التّعبير للنّاشطين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والمنظّمات المعنيّة بها.

في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، أبدى تقرير المقرّر الخاص عن حالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة منذ عام 1967، قلقا خاصّا إزاء: [2]

"(...) الممارسات المؤذية الّتي تطبّقها القيادة السياسيّة وسلطات الدّولة في إسرائيل لإسكات انتقادات المدافعين عن حقوق الإنسان لسياسات حكومية معيّنة. وتشمل هذه التّدابير الاعتداءات اللّفظيّة، وحملات التّضليل الإعلاميّ، وجهود نزع الشّرعيّة، فضلا عن استهداف مصادر تمويل المجتمع المدنيّ (...) ومن بين الجهات المتّهمة منظّمات أوروبيّة وفلسطينيّة محترمة، مثل مؤسّسة الحقّ والمركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان ومركز الميزان لحقوق الإنسان".

وفي حين أنّ ذلك يثير قلقا خاصّا لدى الفلسطينيّين، إلا أنّه يُمكن فهم خطر هذه الممارسات من خلال النّظر إلى احتمال مساهمتها في توجّه عالميّ نحو تقليص إضافيّ لحيّز عمل مؤسّسات المجتمع المدنيّ، والإسكات المتواصل للنّاشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان، ومنظّماتها حول العالم.

تسعى ورقة الموقف هذه إلى إيضاح كيف تخلق المنظومة المؤسّساتيّة الإسرائيليّة نظام تميّيز يعرّض النّاشطين والمدافعين عن حقوق الفلسطينيّين، ومنظّمات حقوق الإنسان المعنية، إلى الحظر أو الإبعاد عن المنصّات السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة على مستوى العالم، ويحولهم إلى مواطنين درجة ثانية في العالم الرّقميّ. وتبدأ الورقة بإعطاء لمحة عامّة عن المنظومة الّتي طورّتها إسرائيل لتشمل تعبئة المنظّمات الحكوميّة، والمنظّمات غير الحكوميّة المُدارة حكوميّا، والمتصيّدين الرّقميّين، من أجل تعميم المعلومات المُضلّلة لصنّاع القرار حول العالم، بنيّة نزع الشّرعيّة عن مناصرة حقوق الإنسان الخاصّة بالفلسطينيّين. يُنفّذ ذلك عبر نشر وتوزيع المعلومات المُضلّلة، وإنشاء قوائم سوداء رقميّة، والعمل مباشرة من أجل تجفيف تمويل المؤسّسات وحظرها من المنصّات الرقميّة. وتسعى الورقة أيضا إلى شرح بعض الأمثلة حول تسبّب هذه الجهود بأضرار حقيقيّة ومباشرة للنّاشطين الفلسطينيين والمؤسّسات الفلسطينيّة، وتحث الحكومات والشّركات على التعامل بجديّة أكبر مع السّياسات والممارسات الّتي قد تفضي إلى التّمييز ضد الفلسطينيّين وإلى دعم الجهود الإسرائيليّة غير القانونيّة لإخضاع الفلسطينيّين بناء على شبكة من المؤسّسات المتحيّزة والمنُظمّة حكوميًا، والمتصيّدين الرّقميّين، وكميّات هائلة من التّضليل الإعلاميّ والمضايقات والتّهديد.

التزامات إسرائيل في القانون الدّوليّ

تلعب الدّول والمؤسّسات التّجارية دورًا متزايد الأهميّة في تعزيز مبادئ حقوق الإنسان وتطبيقاتها على المستوى المحليّ. وتقع على الدّول التزامات باحترام، وحماية، وإعمال حقوق الإنسان دون تمييز. وهذا يشمل ضمان تماثل عمل الشرّكات الّتي تعمل في مناطقها، مع مبادئ الأمم المتّحدة التّوجيهيّة بشأن الأعمال التّجارية وحقوق الإنسان. [3] وهذا أمر بالغ الصّعوبة خاصّة وأنّ القوانين المحليّة تختلف من حيث درجة امتثالها للمعايير الدّوليّة. وبالنّسبة للفلسطينيّين، فإنّ حقيقة اتخاذ الكثير من منصّات التّواصل الاجتماعيّ والمنصّات الاقتصاديّة الرّقميّة الّتي تهيمن على قدرة الوصول لشبكة الإنترنت، من الولايات المتّحدة مقرّا لها، تعني أنّ هذه الشّركات ملزمة قانونيا على الأقل، بالامتثال للقانون الأميركيّ. ومع ذلك، يفرض القانون الأميركيّ قيودا على التّعامل مع مؤسّسات أو أفراد تدرجهم وزارة الخارجيّة على قائمتها لـ "المنظّمات الإرهابيّة الأجنبيّة"، والّتي تشمل أحزابا ومنظمّات سياسيّة فلسطينيّة كثيرة، مّما ينتهك حقّ الفلسطينيين بالتّعبير الّذي يشمل الانتماء السياسيّ أيضا، خاصّة وأن تصنيفات وزارة الخارجيّة الأميركيّة مثيرة للجدل، إذ أنه ما من تعريف قانوني عالميّ لــ "الإرهاب".[4]

وفي حالة الفلسطينيّين، فإنّ تداعيات هذه التّعريفات عليهم، أكثر شدة، نظرا إلى الشرذمة الاستراتيجيّة للشّعب الفلسطينيّ على المستويات القانونيّة والسّياسيّة والجّغرافية، في ظلّ المواطنة الإسرائيليّة الّتي يملكها الفلسطينيّون الّذين يعيشون داخل الخطّ الأخضر، والإقامة الدّائمة المفروضة على الفلسطينيين في القدس، والقانون العسكريّ الإسرائيليّ المفروض على الفلسطينيّين في الضّفة الغربيّة وقطاع غزّة، وحرمان اللّاجئين الفلسطينيّين في الشّتات من حقّ العودة بشكل راسخ في القوانين، والسّياسات، والممارسات الإسرائيليّة. ويخضع الفلسطينيّون ما وراء الخطّ الأخضر، لسلطات مختلفة، أكثرها هيمنة هي سلطة الاحتلال الإسرائيليّة، بالإضافة إلى السّلطة الوطنيّة الفلسطينيّة في الضفّة الغربيّة، وسلطات حماس في قطاع غزّة.

يخضع الاحتلال العسكري الإسرائيليّ الطّويل للأراضي الفلسطينيّة الّتي تشمل الضفّة الغربيّة، والقدس الشّرقيّة، وقطاع غزّة، لحوكمة اتفاقيات لاهاي (1907)، واتفاقيّة جنيف الرّابعة (1949) بشكل خاص والقانون الدّوليّ لحقوق الإنسان بشكل عام. وتفرض المادّة 43 من اتفاقيات لاهاي (1907) التزامات على إسرائيل كسلطة احتلال، بأن تحكم المنطقة مؤقتّا، وأن تضمن النّظام العام والحياة المدنيّة بقدر الإمكان، مع "احترام القوانين السّارية في البلاد، إلّا في حالات الضّرورة القصوى الّتي تحول دون ذلك". وعلى هذا النّحو، فإنّ المادّة 43 من اتفاقيات لاهاي، تلزم إسرائيل بـ "احترام" القوانين المعمول بها في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة. ومن خلال محاولاتها تجفيف تمويل المؤسّسات العاملة في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة، وإسكاتها وتدميرها، تنتهك إسرائيل التزاماتها بموجب المادّة 43 بالحفاظ على مجتمع مدنيّ فلسطينيّ حيويّ.

لا يجب أن يقتصر اعتبار حقوق الفلسطينيّين على القانون الدّوليّ لحقوق الإنسان ومقاييس القانون الدّوليّ الإنسانيّ وقانون الاحتلال فحسب، بل يجب أن يتوسّع ذلك إلى فهم الأهداف الإسرائيليّة غير القانونيّة، والّتي تتّخذ منحى توسّعي على الإنترنت كما خارجه. ولا بّد من الأخذ بعين الاعتبار بأنّ حقوق الفلسطينيّين تّتعرّض لإضعاف حاد بسبب حالة الطوارئ المُستمرة الّتي أعلنتها إسرائيل منذ عام 1948، وحالتي الطوارئ الّلتين فرضتهما مؤخرا كل من إسرائيل والسّلطة الفلسطينيّة، استجابة لتفشي فيروس كورونا المستجد. وقد أدّى كل ذلك إلى خلق بيئة مواتية لمزيد من انتهاكات الحقوق على الإنترنت وخارجه.

لذلك، بإطلاق إسرائيل حملات التّشهير ضد النّاشطين والمدافعين عن حقوق الفلسطينيّين ومؤسسات حقوق الإنسان المعنيّة، فإنّها تنتهك واجبها القانونيّ بالحفاظ على النّظام العام، والقوانين المعمول بها. وفي حين أنّ شركات وسائل التّواصل الاجتماعيّ مثل "فيسبوك"(Facebook)، و"غوغل" (Google)، وغيرهما، قد لا تكون مسؤولة عن إنشاء محتوى ينطوي على حملات تشهيريّة أو يتعلّق بها، إلا أنّ منصّات هذه الشّركات، تسمح لإسرائيل، وللمنظّمات غير الحكوميّة المُدارة حكوميًا، والفاعلين غير حكوميّين، وللمتصيّدين الرّقميّين، بنشر معلومات كاذبة تؤثّر على الرّأي العام قد تؤدّي إلى انتهاكات لحقوق الإنسان. ويجب على الشّركات الّتي تعمل استنادا إلى قوائم محدّدة لــ "الإرهابيّين"، و"المنظّمات الخطرة"، و"المستخدمين الإشكاليّين"، أن تلتزم بصون مبادئ الأمم المتّحدة التّوجيهيّة بشأن الأعمال التّجارية وحقوق الإنسان، بالتّوازي مع التزامها بمنع التّميّيز. قد يؤدّي السّماح لإسرائيل بإخضاع الفلسطينيّين وفرض الهيمنة عليهم، إلى ما يتجاوز زيادة الانتهاكات لحقوقهم، على أرض الواقع، والّتي تشمل الاعتقالات التّعسّفية، والمضايقات، وتهديد النّاشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان واالمنظّمات العاملة في المجال. حيث قد يجعل الشّركات متواطئة في انتهاكات حقوق إنسان ممنهجة وواسعة النّطاق، تستهدف الشّعب الفلسطينيّ، ما يشمل جرائم حرب محتملة، وجرائم ضد الإنسانيّة[5]، لا سيّما أنّ المبدأ السّابع من مبادئ الأمم المتّحدة التّوجيهيّة ينصّ على أنّه "بما أنّ خطر الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان يتضاعف في المناطق المتأثّرة بالنّزاع، ينبغي للّدول أن تساعد في كفالة ألّا تشارك في هذه الانتهاكات، المؤسّسات التّجارية العاملة في تلك السّياقات". من جانبها، يجب على الشّركات أن تبذل العناية الواجبة في مجال حقوق الإنسان لمنع وتخفيف المخاطر المتعلّقة بحقوق الإنسان في أنشطتها وعلاقاتها التّجارية، وخاصّة في وضعيّات نزاع وحالات احتلال. وبناءً على ذلك، يجب أن تلتزم الشّركات بضمان ألا تتسبّب سياساتها وممارساتها بتعزيز جهود إسرائيل الممنهجة لإسكات الفلسطينيين في عملهم المطالب بحقوق الإنسان وحريّة التّعبير، ووضع ضمانات لضمان احترام حقوق الفلسطينيّين على منصّاتها وألّا تُستغل هذه المنصات لفرض تقييد إضافيّ على حيّز عمل المناصرة لحقوق الفلسطينيّين.

اختلاق سرديّة خطيرة

في الأعوام الماضية، وجد المدافعون عن حقوق الإنسان والمنظّمات العاملة في المجال، والّذين يعملون على إنهاء الانتهاكات الإسرائيليّة لحقوق الإنسان، والمناصرة من أجل إحقاق حقوق الفلسطينيّين، أنّ مؤسّساتهم وأعضائها يتعرّضون لاعتداءات متزايدة من المنظّمات غير الحكوميّة الإسرائيليّة المُدارة حكوميّا، والفاعلين غير الحكوميين، وشبكة من المتصيّدين الرّقميين الّتي تستخدم جميعها، منصّات التّواصل الاجتماعيّ والإنترنت لنشر معلومات مُضلّلة وتشهيريّة بحقّ النّاشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان والمنظّمات العاملة في المجال. وتتمحور هذه الحملات حول ترهيب هؤلاء، ومضايقتهم، وانتزاع شرعيّتهم، وتجفيف تمويلهم، لإسكاتهم أو إيقاف عملهم في نهاية المطاف. وعلى وجه التّحديد، تحاول المنظومة المؤسّساتيّة الإسرائيليّة أن تختلق علاقة وهميّة بين النّاشطين والمدافعين عن حقوق الفلسطينيين، ومؤسّسات حقوق الإنسان المعنيّة، وبين "إرهاب" مزعوم، بحيث توصمهم بـ "المؤسّسات الداعمة للإرهابيّين"، أو تشوه سمعة الأفراد بوصفهم بــ "الإرهابيّين". وتعمل هذه المنظومة الإسرائيليّة أيضا على انتزاع شرعيّة هذه المنظّمات عبر نشر محتوى تشهيريّ، تعمّمه من خلال شبكات متصيّدين رقميّين مُدارة حكوميًا، والّتي تروّج لصيغ متحيّزة من الواقع من خلال مؤسّسات مُدارة حكوميا، وتشنّ حملات لتجفيف تمويل المؤسّسات والأفراد وحظرهم منصّاتيا، في جهد يهدف لغاية واحدة ووحيدة، وهي إسكات الفلسطينيّين وأولئك المناصرين لحقوقهم.

إصدار حكوميّ للمحتوى التّشهيريّ والتّضليليّ

لطالما عزا صحافيّون وناشطون كُثر، طوال أعوام، حملات التّشهير الرّقميّة إلى عمل وزارة الشّؤون الاستراتيجيّة الإسرائيليّة. [6] تأسّست هذه الوزارة عام 2015 بهدف "اتخاذ فعل ضد حملات نزع الشّرعيّة والمقاطعة ضدّ دولة إسرائيل". ومنذ تكليف جلعاد إردان بمنصبه الوزاريّ في أيار/ مايو 2015، صعّدت وزارة الشّؤون الاستراتيجيّة الإسرائيليّة من استهدافها للنّاشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان والمؤسّسات المعنيّة والمموّلين الّذين يوجّهون نقدا لإسرائيل. وشملت هذه الجهود، إصدار ثلاثة تقارير تشهيريّة تستهدف منظّمات حقوق الإنسان وداعميها مباشرة، وهي "طريق المال 1" (The Money Trail 1) الصّادر عام 2018، و"طريق المال 2" (The Money Trail 2) الصّادر عام 2019، و"إرهابيون ببدلات" (TerroristsInSuits) الصّادر عام 2019 أيضا. [7]وتسعى هذه التّقارير لتشويه سمعة، ومصداقية المدافعين عن حقوق الإنسان، ومؤسّساتهم وداعميهم، وكذلك المجتمع المدنيّ الفلسطينيّ ككل، بشكل صارخ.

في تموز/ يوليو 2018، بعثت وزيرة خارجيّة الاتحاد الأوروبيّ، فيديريكا موغيريني، برسالة شخصيّة حادّة اللّهجة لوزير الشّؤون الاستراتيجيّة الإسرائيليّ، جلعاد إردان، ردًا على إصدار وزارة الشؤون الاستراتيجيّة الإسرائيليّة تقرير "طريق المال 1"، طالبته فيها بتوفير إثباتات للمزاعم "الغامضة وغير المدعّمة بالأدلّة" الّتي أصدرتها وزارته بشأن التّمويل المزعوم للاتّحاد الأوروبيّ لأنشطة "إرهابيّة" وحملات المقاطعة ضد إسرائيل، عبر مؤسّسات غير ربحيّة.  ونصّت الرّسالة على أنّ "الاتهامات حول دعم الاتحاد الأوروبيّ للتّحريض أو الإرهاب لا أساس لها من الصّحة وغير مقبولة، والتّقرير نفسه غير مناسب ومضلّل. حيث أنّه يخلط "الإرهاب" بقضية المقاطعة، ويخلق حالة من الارتباك غير المقبول في نظر الجمهور حول هاتين الظاهرتين المختلفتين".[8]

وعلى نحو مشابه، أصدرت وزارة الشّؤون الاستراتيجيّة الإسرائيليّة حملة "إرهابيون ببدلات" المبنيّة على تصّورات عنصريّة، في محاولة لوصم مؤسّسات المجتمع المدنيّ الفلسطينيّ بأنها "إرهابية" ومشبوهة في جوهرها، بهدف تشويه سمعتها وتجفيف تمويلها. واستخدمت الحملة الوسم "#TerroristsInSuits"[9] ("إرهابيون ببدلات")، لتشويه مصداقية المدافعين عن حقوق الإنسان، والمجتمع المدنيّ الفلسطينيّ ككل. من بين المدافعين عن حقوق الإنسان الّذين استهدفهم التّقرير، الباحث الفلسطينيّ الفرنسي في مؤسسّة "الضّمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان"، صلاح حموري[10]، والمدير العام لمؤسّسة "الحقّ" شعوان جبّارين. [11]

 وفي إحدى الصّور التي تضّمنها التّقرير الإسرائيليّ، يظهر المدافع الفلسطينيّ عن حقوق الإنسان ومدير المركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان (PCHR)، راجي الصّوراني، وقد قُسّمت الصورة لجزئين، حيث يظهر في الجزء الأول مرتديا بدلة ومبتسمًا، ويُظهر الجزء الأيمن منها صورة رجل مسلّح برشّاش وملثّما بكوفيّة، في صورة يُقصد بها إظهار شخصيّته "الإرهابيّة" البديلة المزعومة. واللّافت أنّ التّقرير لا يحمل تاريخ صدور، ولا يحتوي على اسم مؤلّف، ولا يستشهد بمصادر موثوقة، ولا يحتمل التدّقيق الأكاديميّ.

ردّا على هذه الهجمات، قدّمت مؤسّسة "الحقّ" في آب/ أغسطس 2019، نداء عاجلًا للإجراءات الخاصّة للأمم المتّحدة، بشأن تأثير حملة التّشويه ونزع الشّرعية عن عملها، والّتي تخلّلها وصول تهديدات بالقتل عبر موقع "فيسبوك".[12] وناشدت الحقّ الإجراءات الخاصّة للأمم المتّحدة، باتّخاذ إجراءات فوريّة وجماعيّة لوقف التّحريض الإسرائيليّ الرّقميّ المستمر، ولأن تتدخّل مباشرة مع "فيسبوك"، لإزالة المحتوى الذي ينتهك القانون الدّوليّ لحقوق الإنسان ومعايير المجتمع الخاصة بـ"فيسبوك".

تنظيم المتصيّدين الرّقميّين

بالإضافة إلى التّعميم المباشر للمعلومات المُضلّلة المخصّصة لتشويه سمعة منظّمات حقوق الإنسان وداعميها، تتعاقد الحكومة الإسرائيليّة مع منظّمات غير حكوميّة مدارة حكوميّا، وجهات فاعلة غير حكوميّة، ومتصيّدين رقميّين لإطلاق حملات تضليليّة. وتعمل العديد من هذه المؤسّسات على الخلط بين الانتقادات المشروعة لسياسات إسرائيل وممارساتها، والخطاب المعادي للصهيونيّة، وبين معاداة السّاميّة وخطاب الكراهية[13]. كما وصمّمت استراتيجيّات للتّلاعب بخوارزميّات وسائل التّواصل الاجتماعيّ، بدعم من المتصيّدين الرّقميّين. [14] ينطوي عمل هذه الجهات على طمس المحتوى النّقدي تجاه إسرائيل، والمحتوى المناصر لحقوق الإنسان الخاصّة بالفلسطينيّين، كما وتعمل على التّرويج لمحتوى يهدف إلى تشويه سمعة الفلسطينيّين، ويشمل معلومات مُضلّلة، وخطاب كراهية عنصريّ، وتحريضًا على الكراهيّة العرقيّة والعنف ضد الفلسطينيّين.

في عام 2013، أطلق مكتب رئيس الحكومة الإسرائيليّة، برنامجا يُدعى "الهسبراه"، وهو مصطلح باللّغة العبريّة يقنّعه المسؤولون على أنه "دبلوماسيّة عامّة"، ولكنه في واقع الأمر عبارة عن دعائيّة إعلاميّة صُممّت من أجل محاربة الانتقادات الموجّهة للسّياسات الإسرائيليّة، عبر تفسير النّقد الشّرعي وحريّة التّعبير، بأنّه خطاب كراهية[15]. وقد منحت هذه المبادرة طلّابا في أروقة الجامعات الإسرائيليّة منحا تعليميّة كاملة أو جزئيّة، للانضمام إلى الجّهود الراميّة لمحاربة "المحتوى المعادي لإسرائيل على الإنترنت"، ولتشجيع إطلاق المزيد من الحملات التّضليليّة. [16] وعلى النّسق ذاته، دعم رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو، الأشخاص المنخرطين في مجموعة "إسرائيل تحت النيران"، عبر إطلاق ما وصفه بــ "غرفة حرب دبلوماسيّة" شبيهة بـ "الهسبراه"[17]. ولم يكشف المكتب الإعلامي للحكومة عن الميزانيّة المخصّصة لجهود التّصيّد الرّقميّ، ولكنّها مُوّلت جزئيّا من قبل "الوكالة اليهوديّة لأجل إسرائيل"، وهي مؤسّسة صهيونيّة شبه حكوميّة تموّل برامجًا تعليميّة يهوديّة في المستوطنات الإسرائيليّة غير القانونيّة في الضفّة الغربيّة، وتسبّبت بتجفيف تمويل مؤسّسات حاولت تثقيف اليهود حول كيفيّة دعم الجهود المعارضة للاحتلال الإسرائيليّ. [18]

في عام 2014، انخرط نحو 400 طالب إسرائيليّ في محاولة لمحاربة تدفّق التعاطف الإنسانيّ مع الفلسطينيّين الّذين استشهدوا أو جرحوا في قطاع غزّة المحاصر بنيران الجيش الإسرائيلي خلال الحرب الإسرائيليّة الّتي أطلق عليها الجّيش الإسرائيليّ تسمية "عمليّة الجّرف الصّامد"، عبر استخدام وسم "إسرائيل تحت النيران" (#IsraelUnderFire) والّذي عُرف بكونه "غرفة عمليّات الهسبراه" المُدارة بتمويل جامعيّ وتبرّعات. [19] ولكنّ صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، ادّعت أيضا، أن الصّور المنشورة من "غرفة عمليّات الهسبراه" على موقع "تويتر"، إما "أخطأت بالتّعريف، أو لُفّقت حتّى". وعلى نحو مشابه، أنشأ "مركز هرتسليا متعدّد التّخصّصات" (IDC)، بالتعاون مع "المجلس الإسرائيليّ الأميركيّ" (IAC)، وهو عبارة عن مؤسّسة أميركيّة غير حكوميّة مدعومة من المانح المؤيّد للاستيطان الإسرائيليّ، شلدون أدلسون، أولى مجموعات التصيّد على الإنترنت، تحت اسم "آكت. آي إل" (ACT.IL)، والّتي تنظّم اليوم 15 ألف عضو، وتملك مكاتب في ثلاث دول[20]. وبعد اختبار المجموعة خلال الحروب الإسرائيليّة على قطاع غزّة بين العامين 2012 و2014، والّتي تسبّبت باستشهاد آلاف المدنيين الفلسطينيين، انضم مئات الطّلاب في الجامعات الإسرائيليّة إلى "غرفة حرب" رّقميّة[21]، لنشر محتوى داعم لإسرائيل على مواقع التّواصل الاجتماعيّ، بهدف محاربة موجة الغضب العالميّة على أثر أعداد الشّهداء الهائلة. ونظّمت المؤسّسة مجموعات متصيّدين رقميّة، أوكلت لهم مهمّة الضغط على أزرار الإعجاب على المحتوى التضليليّ الّذي يتضمّن خطاب كراهية ضد الفلسطينيّين، ومشاركته والتّعليق عليه، بالإضافة إلى التّبليغ عن المحتوى الناقد لإسرائيل بهدف تقييد حريّة التّعبير الخاصّة بالفلسطينيّين. [22]وكما وصفت المنظّمة على موقعها، فإن مهمّتها هي "التأثير على الرّأي العام الدّوليّ تجاه دولة إسرائيل عبر منصّات التّواصل الاجتماعيّ... وإنشاء معركة فعّالة ونشطة ضد الاتجاه المتنامي لحركة المقاطعة (بي دي إس) ونزع الشّرعيّة عن دولة إسرائيل".[23]  ويشجّع الموقع النّاس على اختيار "مهمّة" يوميّة تتضمّن النّشر والمشاركة والعمل على إزالة المحتوى الّذي يُزعم أنّه "مليء بالكراهية ضد إسرائيل والإسرائيليّين". وتوضّح المنظّمة على الموقع أنه "إذا كان المنشور مخالفًا لسياسات المنصّة، قم بالتّبليغ عنه! شاركه معنا ونحن سنساعد في إزالتهّ". ووصفت كاتي جوزيف، وهي مديرة الأبحاث في "مختبر الذّكاء الرّقميّ" في "معهد المستقبل" (Institute for the Future)، وهي عبارة عن مركز أبحاث يدرس التّأثير الاجتماعيّ للتكنولوجيا، حملة ACT.IL بأنها "حالة فريدة من نوعها من الدّعاية الشعبيّة السياسيّة الزّائفة في المجال الرّقميّ المتقّدم... تتلخّص فكرتها الأساسيّة بأن الحكومات تطوّر استراتيجيات ومحتوى تسلّل، ثم تستخدم مواطنين وطنيّين وتأثير العربة لإذاعة المعلومات".

في حزيران/ يونيو 2016، أوردت صحيفة "هآرتس" الإسرائيليّة، أنّ جلعاد إردان الّذي كان يشغل في ذلك الوقت منصب وزير الشّؤون الاستراتيجيّة، أراد إنشاء وحدة "حيل قذرة" مهمّتها "تأسيس، أو توظيف أو إغراء مؤسّسات غير ربحيّة أو مجموعات غير مرتبطة بإسرائيل، لإذاعة" المعلومات السّلبيّة حول داعمي حقوق الإنسان. [24] ورغم أنّ تفاصيل هذه التّكتيكات غير مكشوف عنها، إلا أن وزارة الشّؤون الاستراتيجيّة أطلقت في عام حزيران/ يونيو 2017، موقع 4IL.org.il[25]، والّذي يجنّد النّاس لنشر المحتوى الصّادر عن الوزارة، وتعميم المحتوى الدّاعم لإسرائيل، والّذي ينشر عادة معلومات مُضلّلة حول مختلف القضايا، بما يشمل الوضع القانونيّ لمدينة القدس بموجب القانون الدّوليّ. حيث احتفى مقال بارز نشره موقع 4IL.org.il مؤخرا بـ "مرور 50 عاما على توحيد القدس"، مروّجًا لمعلومات كاذبة حول الضّم الإسرائيليّ غير القانونيّ للمدينة. [26] [27]

يُنسّق العمل الإسرائيليّ أيضًا من خلال مؤسّسات رصد متحيّزة تصوّر نفسها على أنّها تنشط في الدّفاع عن ما تسميه المعلومات والحقائق العالميّة، ولكنّها تروّج عبر تقاريرها ومقاطع الفيديو الّتي تنتجها، ونشاطاتها الرّقميّة الأخرى، لصيغ متحيّزة من الواقع. ويتجلّى أحد الأمثلة الرئيسيّة على ذلك في عمل "معهد بحوث إعلام الشّرق الأوسط" (MEMRI). تتلقى هذه المؤسّسة دعمًا من دافعي الضّرائب الأميركيين لكونها مسجّلة على أنها مؤسّسة "مستقلّة، وغير حزبيّة، وغير ربحيّة" مما يخفف من الضّرائب المفروضة عليها أيضًا بموجب القانون الأميركيّ.[28] وتعرض نفسها على أنها معهد معلومات،[29] إلّا أنّ العديد من الصحافيّين والأكاديميّين، ومؤسّسات فحص الحقائق، شكّكوا على مدار الأعوام الماضية، بمدى شرعية "معهد بحوث إعلام الشّرق الأوسط"، فكما أوضح مسؤول مكافحة التّجسس السّابق في وكالة المخابرات المركزيّة الأميركيّة (سي آي إيه)، فنسنت كانيسترارو، إنّ المعهد "انتقائيّ ويعمل كمرّوج دعائي لوجهة نظره السياسيّة، والّتي تعدّ في أقصى يمين حزب اللّيكود الإسرائيليّ. وهم لا يقدّمون الصّورة الكاملة ببساطة".[30] علاوة على ذلك، وصف الأكاديميّ الأميركيّ والباحث في شؤون الشّرق الأوسط، خوان كول، "معهد بحوث إعلام الشّرق الأوسط"، بــ "جهاز المحافظين الجدد" بسبب ارتباطات مؤسّسيه السياسيّة وعلاقتهم بمؤسّسات وأفراد محسوبين على تيّار المحافظين الجدد. [31] إضافة إلى ذلك، صُنّف المعهد في تقرير صادر عن "مركز التقدّم الأميركيّ" تحت عنوان "صناعة الخوف: جذور شبكة رهاب الإسلام في أميركا"، كأحد مروّجي الدعاية المعادية للإسلام في الولايات المتّحدة من خلال تقديم ترجمات انتقائيّة تعتمد عليها عدّة مؤسّسات لــ "برهنة أنّ الإسلام عنيف ومروّج للتّطرف بطبيعته".[32] أخيرا، يحظى رئيس ومؤسّس "معهد بحوث إعلام الشّرق الأوسط"، ييغال كارمون، بعلاقة وطيدة ومديدة مع جهاز المخابرات العسكريّة الإسرائيليّ، ومستشار رئيس الحكومة الإسرائيليّة لـ "مكافحة الإرهاب".[33]

ويُمكن رؤيّة استنساخ النّموذج ذاته في استخدام مؤسّسات رصد مستقلّة على المستوى الظّاهريّ، لنشر المعلومات المُضلّلة بهدف نزع الشّرعية عن النّاشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان والمنظّمات العاملة في المجال، عند التمعّن بنشاطات منظّمة "يو إن ووتش" (UN Watch). تصرح هذه المؤسّسة غير الحكوميّة الّتي أسّستها "اللجنة اليهوديّة الأميركيّة" عام 2001، والّتي تتّخذ من جنيف مقرّا لها، [34]بأن هدفها يتلخّص بـ "مراقبة أداء الأمم المتّحدة بحسب معيار ميثاقها".[35] إلا أنّه في ظلّ نشاط عدّة مؤسّسات فلسطينيّة في منتديات الأمم المتّحدة، وخاصّة مجلس حقوق الإنسان، تعمل "يو إن ووتش" على صياغة سرديّات تنزع الشّرعيّة عن هذه المؤسّسات وعن العمل المناصر لحقوق الإنسان. ومن أجل تحقيق هدفها هذا، تعمل المؤسّسة على خلق مناخ من عدم الثّقة بالأمم المتّحدة نفسها، في حين تُركّز عملها بشكل خاص على ابتداع سرديّة التّعامل "غير العادل" مع إسرائيل. وتصدر المؤسّسة العديد من مقاطع الفيديو الدعائيّة على موقع "يوتيوب" (Youtube)، والّتي تهدف فيها إلى نزع الشّرعية عن الأمم المتّحدة عموما، وعن المجتمع المدنيّ المنخرط مع الأمم المتّحدة بشكل خاص. [36] وتعمل المؤسّسة على نزع الشرعيّة عن تأييد حقوق الفلسطينيّين عبر وصمه بــ "معاداة السّاميّة". [37]يلّخص إيان وليامز، وهو صحافيّ يغطّي الأمم المتّحدة منذ أعوام طويلة، والرّئيس السابق لـ "رابطة مراسلي الأمم المتّحدة"، دور مؤسّسة "يو إن ووتش" على النّحو التالي: "إنّ 'يو إن ووتش' عبارة عن مؤسّسة هدفها الرّئيس هو مهاجمة الأمم المتّحدة بشكل عام، ومجلس حقوق الإنسان فيها بشكل خاص، لتحيّز مزعوم ضد إسرائيل".[38]

القوائم السّوداء

تعمل إسرائيل على تشويه سمعة ناشطي حقوق الإنسان والمدافعين عنها ومؤسّساتها، من خلال استخدام قوائم سوداء جمّعتها منظّمات غير حكوميّة إسرائيليّة، أو منظمّات غير حكوميّة مدُارة حكوميا. وقد يؤدّي إدراج ناشط أو مؤسّسة ما على هذه القوائم السّوداء إلى زيادة خطر تعرّض المؤسّسات أو النّاشطين إلى منع دخول إسرائيل، بما في ذلك الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة، وأن يتسبّب بزيادة احتمال التعرّض لتجفيف التّمويل أو الحظر المنصّاتي (على الإنترنت كما خارجه)، أو تعرّض الأفراد أو أعضاء هذه المؤسّسات إلى العنف. وتصاعد استهداف وزارات الحكومة الإسرائيليّة، ومنظّماتها غير الحكومية المُدارة حكوميًا، وحملات متصيّديها المنظّمة، لمؤسّسات كثيرة بعد إدراجها على هذه القوائم السّوداء. وغالبًا ما يؤدّي ذلك إلى ردود أفعال داخليّة في هذه المؤسّسات مع أنّها قد تحافظ على صمتها خارجيًا خشية التّعرض لاستهداف مضاعف، أو بسبب عدم قدرتها على تحويل مواردها الحيويّة المخصّصة لعملها الحقوقيّ، ونشاطها المجتمعيّ، إلى محاربة هذا النّوع من الهجمات. وغالبا ما يُجبر ذلك هذه المؤسّسات على استشارة الخبراء القانونيّين حول كيفيّة الاستعداد لهجمات قانونيّة محتملة، أو كما شهدت الأعوام الأخيرة، هجمات الأمن الرّقميّ التي يمكن أن تزيد نتيجة للإدراج على إحدى القوائم السّوداء.

اتّخذت سلطة الإسكان والهجرة والمعابر الحدوديّة الإسرائيليّة، قرارات تعسّفيّة وتميّيزية بما يتعلّق بالدّخول لإسرائيل والمناطق الفلسطينيّة المحتلّة، وتحتفظ بـ "قائمة سوداء" بأسماء النّاشطين الممنوعين من الدّخول[39]، استنادا إلى معلومات حصلت عليها من الإنترنت ووسائل التّواصل الاجتماعيّ أو من مصادر أخرى. وفي حين تزعم الهيئة الحكوميّة أن قرارها بمنع الدّخول يأتي نتيجة للمقاطعة العامّة النّشطة والمستمرّة لإسرائيل، إلا أن ناشطين كُثرا اكتشفوا أنّه تم استخدام معلومات خاصّة في إنشاء قوائم سوداء تستخدمها سلطة الإسكان والهجرة والمعابر الحدوديّة وترسلها إلى دول أجنبيّة[40]، ممّا يعني أنّه من المرجّح قيام إسرائيل باستخدام آليات مراقبة وتجسّس تطفّليّة مثلاً، لجمع معلومات خاصة وغير علنيّة عن ناشطين ومؤسّسات على مستوى العالم، وذلك بشكل غير قانونيّ، كما ومشاركتها مع دول أخرى.[41]  ورفضت الحكومة الإسرائيليّة طلبًا، يستند إلى الحقّ في حريّة المعلومات، بتوفير أسماء النّاشطين الّذين تدرجهم سلطة الإسكان والهجرة على قائمتها السّوداء ويُذكر أنّ استخدام المعلومات غير العامّة عن الأفراد أو المنظّمات، يُشكّل انتهاكا للحقّ في الخصوصيّة.[42] بالإضافة إلى ذلك، جرت مساع لإضفاء الطّابع السّريّ على عمل وزارة الشّؤون الاستراتيجيّة.[43] ويُظهر إنشاء القوائم بأسماء النّاشطين، الطّبيعة القمعيّة للمنظومة المؤسّساتيّة الإسرائيليّة، تجاه الشّعب الفلسطينيّ، وجهودها لنزع الشّرعيّة عن داعمي فلسطين ومنعهم من دخولها. وعبر استغلال هذه المعلومات بالتّوازي مع القانون المعادي لـحركة المقاطعة الصادر عام 2017[44]، مُنع العديد من الأشخاص من دخول إسرائيل والأراضي الفلسطينيّة المحتلّة عام 1967، بما يشمل نائبتين في الكونغرس الأميركيّ، وسبعة سياسيّين فرنسيّين وبرلمانيّين في الاتّحاد الأوربيّ. كما استُخدم القانون ذاته، مع المعلومات الّتي جُمعت عبر الإنترنت، لتبرير ترحيل المدافع عن حقوق الإنسان ومدير منظّمة "هيومن رايتس ووتش" (Human Rights Watch)، في القدس المحتلّة، عمر شاكر، في 2019. [45]

بالإضافة لذلك كلّه، فرضت السلّطات الإسرائيليّة عددًا لا يُحصى من قرارات حظر الدّخول، شملت حظرًا لفترات متفاوتة منها ما يصل لعشرة أعوام، دون أي تفسير أو تبرير لرفض دخول هؤلاء الأشخاص، وعلى أساس تميّزيي مُطلق بل وتعسّفي في الغالب. وذلك مدفوع أوّلا بعدم الرّغبة بإتاحة الدّخول دّوليّ إلى المنطقة لمراقبة وضع حقوق الإنسان بأنفسهم، بالإضافة إلى منع الأفراد والمؤسّسات من إبداء تضامنهم مع الشّعب الفلسطينيّ، ولكن أيضًا، وبطبيعة الحال، مدفوعًا بالسّعي لحرمان الفلسطينيّين من حقّ العودة، مما يعني أنّ هناك تمحيصًا شديدًا على من يمكنه الدّخول والخروج من البلاد، الأمر الّذي يشمل إجراء عمليّات تحقّق مكثّفة من الأشخاص القادمين إلى البلاد، والّذين يُطلب منهم أحيانا أن يفتحوا بريدهم الإلكترونيّ الخاص أمام عناصر الأمن الإسرائيليّ ليفحصوها. يخلق كل هذا بيئة قهريّة ويساهم إلى حد كبير في طمس أيّ معارضة للسّياسات والممارسات الإسرائيليّة خشية التّعرض للمنع من دخول البلاد.

بالإضافة إلى الأجسام الحكوميّة، تعمل منظّمات عدّة على إنشاء قوائم سوداء للنّاشطين والمؤسّسات على الإنترنت، بهدف ترهيبهم وتقليص مساحة حريّة التّعبير والرأي أمامهم. وأحد الأمثلة الأكثر شهرة على ذلك منظّمة "إن جي أو مونيتور" (NGO Monitor)، والّتي ينطوي هدفها المعلن على تعزيز "الشّفافيّة والمساءلة للمنظّمات غير الحكوميّة الّتي تدّعي برامج حقوق إنسان، وخاصّة في سياق الصّراع العربيّ الإسرائيليّ".[46] وهذا توصيف مخادع، ففي حقيقة الأمر، تُظهر أعوام من الخبرة في المجال، أنّ أهمّ أهداف "إن جي أو مونيتور" يتمثّل بالدّفاع والإبقاء على السّياسات الحكوميّة الإسرائيلية الّتي تساهم في دعم قمع إسرائيل للفلسّطينيّين وإخضاعها لهم وبسط سيطرتها عليهم، من أجل منعهم من ممارسة حقوقهم غير القابلة للتصّرف. [47] كما تباهت "إن جي أو مونيتور" علنا، بعلاقاتها الجيّدة مع وزارة الشّؤون الاستراتيجيّة الإسرائيليّة، في تيسير اجتماعات الضّغط في العواصم الأوروبيّة، والّتي تحضرها أحيانا برفقة دبلوماسيّين إسرائيليّين. [48] تتيح العلاقة الوطيدة للمؤسّسة بالحكومة، تزويد الوزارات والمهمّات الدبلوماسيّة الإسرائيليّة بمعلومات مضلّلة لكي تستخدمها في محاولاتها لنزع الشّرعيّة عن منظّمات حقوق الإنسان والضّغط على نظيراتها الأميركيّة والأوروبيّة بإيقاف تمويلها لهذه المؤسّسات. وفي إسرائيل، فإنّ المنظّمة تحفّز التّشريعات القمعيّة الّتي تستهدف المنظّمات غير الحكوميّة ومصادر تمويلها بشكل انتقائيّ. [49] ويدرج موقعها الإلكترونيّ نحو 250 منظمة إسرائيليّة وفلسطينيّة وأوروبيّة ودوليّة من هذا النّوع على قوائمها السّوداء.

وعلى نحو مشابه، اتّخذت "عمليّة كناري" (Canary Mission)، على عاتقها، مهمّة "توثيق الأشخاص والجماعات الّذين يروّجون لكراهية الولايات المتّحدة، وإسرائيل، واليهود، كما  أنّها تهدف إلى التّحقيق بالكراهية المنتشرة على امتداد الطّيف السّياسي لأميركا الشماليّة، بما في ذلك اليمين المتطرّف، واليسار المتطرّف والنّاشطين المعادين لإسرائيل".[50] ويضم موقعها الإلكترونيّ اليوم، أكثر من ألف حساب، بما في ذلك حسابات أساتذة جامعات، ومثقّفين، ومجموعة متنوّعة من الأشخاص الدّاعمين لحقوق الفلسطينيّين،[51] كما عملت على إسكات داعمي حقوق الإنسان وحقوق الفلسطينيّين في الجامعات، عبر التّرهيب. [52] ونجم عن قدرة "عمليّة كناري" على التّأثير على حياة أولئك المستهدفين على موقعها الإلكترونيّ، تطوّر ردّ مضادّ على شكل موقع إلكترونيّ باسم "ضدّ عمليّة كناري" (Against Canary Mission)، والّذي يشمل حسابات مُتحقّق منها، لناشطين تدرجهم "عمليّة الكناري" على موقعها، من أجل إظهار كيفيّة عملها على محاولة تشويه سمعة النّاشطين. شبّه نقّاد عدّة ممارسة "عمليّة كناري" المنطوية على ابتزاز الأفراد المستهدفين للاعتذار في مقابل الحصول على "العفو"، بممارسات الأنظمة الاستبداديّة والحقبة المكارثيّة في الولايات المتحدة. [53]

الحظر المنصّاتي وتجفيف التّمويل

تؤدي المساعي الإسرائيليّة الرامية إلى تشويه سمعة النّاشطين والمدافعين عن حقوق الفلسطينيّين والمنظّمات العاملة في المجال عبر الحملات التّضليليّة، إلى التسبّب بإيذائهم فعليّا. يشمل ذلك أيضًا المساعي الإسرائيليّة لحرمان النّاشطين الفلسطينيّين ومنظّمات حقوق الإنسان، من فرص العمل المناصر لحقوق الإنسان سواء بشكل مباشر أو على منصّات وسائل التّواصل الاجتماعيّ، أو الدفع لرفض تمويلهم أو وصولهم إلى المنصّات الماليّة. أُعدّت هذه المساعي من أجل حرمان ناشطي حقوق الإنسان ومنظّمات العاملة في المجال، من الموارد اللّازمة لأداء عملهم المدافع عن حقوق الإنسان، مما يقوّض بالتّالي، دور مؤسّسات المجتمع المدنيّ، وينتهك حقّها في حريّة تكوين الجمعيّات.

يعمل المجتمع المدنيّ منذ أعوام لوقف إصدار "وحدة السايبر" التّابعة لوزارة القضاء الإسرائيليّة لطلبات "اختياريّة" غير قانونيّة تهدف إلى حث شركات وسائل التّواصل الاجتماعيّ مثل "فيسبوك" و"غوغل" وغيرهما، على فرض رقابة على المحتوى. وتُقّدم هذه الطّلبات بناء على مزاعم بأنّ أنواع المحتوى هذه تنتهك قوانين محليّة وشروط الخدمة الخاصّة بالوسطاء، ولكنّها تُقدّم دون أي إجراء قانونيّ، ودون منح المستخدمين المستهدفين الحق بإدلاء رأيهم بقرارات فرض الرقابة عليهم، ودون معرفتهم حتّى.[54]  ويدّعي كل من مركز "عدالة" و"جمعية حقوق المواطن في إسرائيل"، أنّه لا يمكن لــ "وحدة السايبر الإسرائيليّة التابعة للنّيابة العامّة، أن تقدّم طلبات 'اختياريّة' بهدف تجاوز المعايير القانونية الدستوريّة والإداريّة، بما في ذلك الشفافيّة والإجراءات القانونيّة الواجبة".[55]

وفي حين أنّ المساعي الإسرائيليّة لتجفيف تمويل المؤسّسات تحظى بتاريخ طويل، يشمل إجراءات تدقيق الجهات المانحة[56] واشتراط تمويل المؤسّسات الفلسطينيّة على أساس انتماءاتها السياسيّة، فإنّ أحد المواضيع الّتي يندر نقاشها، هو عمل إسرائيل على منع وصول الفلسطينيّين لمنصّات الدّفع الماليّ. وتعمل إسرائيل على دفع الشّركات الّتي توفّر خدمات الدّفع المالي لمؤسّسات فلسطينيّة على إغلاق منصّاتها أمام هذه المؤسّسات أو حظرها منصّاتيا، عبر استخدام معلومات كاذبة تحاول عبرها اختلاق علاقة بين ناشطي حقوق الإنسان الفلسطينيّين ومؤسّساتهم، وبين مزاعم "الإرهاب"، و ما يسمى بالمنظّمات "الإرهابيّة". في العام 2020، حظرت منصّة التّمويل الجماعي "غلوبال غيفينغ" (Global Giving)، "المنظّمة الدّوليّة للدّفاع عن الأطفال – فلسطين" (DCIP)، منصّاتيًا، بعدما تلقّت سلسلة من الرّسائل الصّادرة عن منظّمات إسرائيليّة غير حكوميّة مُدارة حكوميا، ومنظّمة "محامو المملكة المتّحدة من أجل إسرائيل" (UK Lawyers for Israel)، تزعم وجود "ارتباطات" تجمعها بمؤسّسات "إرهابيّة" مزعومة. ونصّ المنشور الّذي أصدرته المنظّمة بشأن حجبها من منصّة "غلوبال غيفينغ"، على أنّ "العديد من المسؤولين والموظفين وأعضاء المنظّمة الدّوليّة للدّفاع عن الأطفال – فلسطين، الحاليّين والسّابقين، تجمعهم ارتباطات وثيقة بالجّبهة الشّعبية لتحرير فلسطين". وفي حالة "المنظّمة الدّوليّة للدّفاع عن الأطفال – فلسطين"، حققت منظّمة "محامو المملكة المتّحدة من أجل إسرائيل"، نجاحا كبيرا، إذ أعلن كل من شركة "سيتيبانك" (Citibank)، و"البنك العربيّ"، و"غلوبال غيفينغ" أنها ستوقف تقديم خدماتها لــ "لمنظّمة الدّوليّة للدّفاع عن الأطفال – فلسطين". [57][58]

ولا يقتصر الأمر على إلحاق الضّرر بــ "المنظّمة الدّوليّة للدّفاع عن الأطفال – فلسطين" وعملها الجوهري في الدّفاع عن حقوق الإنسان، إذ يساهم كل ذلك أيضًا في خلق واقع جديد تتعرّض فيه المؤسسّات الحقوقيّة الفلسطينيّة إلى الحظر من المنصّات الماليّة الرّقميّة وإغلاقها أمامهم، في انتهاك للقانون الدّوليّ لحقوق الإنسان، ولا سيّما الحقّ في حريّة التّعبير المنصوص عليه في المادّة 19 من العهد الدّوليّ الخاص بالحقوق المدنيّة والسّياسيّة، والحقّ في حريّة تكوين الجمعيّات المنصوص عليها في المادة 22 من العهد ذاته. في قضيّة أخرى، تمكّنت منظّمة الحرب القانونية الإسرائيلية غير الحكوميّة المُدارة حكوميا، "شورات هدين" (Shurat HaDin)، من الضّغط على شركة تمويل جماعيّ ناشئة تتّخذ من مدينة سان فرانسيسكو الأميركيّة مقرّا لها، لإغلاق حساب "المركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان".[59]

بشكل عام، تُظهر إجراءات تجفيف تمويل المؤسّسات وحظرتها منصّاتيًا، المساعي الإسرائيليّة الممنهجة لإخضاع الفلسطينيّين على الإنترنت كما خراجه، ممّا قد لا يتوقف عند التّسبب بعواقب وأضرار فعليّة للمؤسّسات في فلسطين، بل يذهب إلى حد تعزيز الاتّجاهات التّميّيزيّة السّائدة حاليا في الاقتصاد الرّقميّ حول العالم، في ظلّ محاولات إسرائيل ودول أخرى تسخير الإنترنت لأهداف سياسيّة غير قانونيّة، ممّا يؤدّي إلى انتزاع شرعيّة المدافعين عن حقوق الإنسان، وإسكاتهم وفرض رقابة عليهم.

ورغم مواصلة شركات تكنولوجيّة كثيرة توفير خدمات ماليّة حيويّة للمؤسّسات الفلسطينيّة ومنظّمات حقوق الإنسان، إلّا أنّه تجدر الإشارة إلى كيفيّة تضلّيل إسرائيل لشركات التّكنولوجيا، متسبّبة بانتهاكات لحقوق الفلسطينيّين.

ختامًا، تعمل إسرائيل على حظر المؤسّسات والنّاشطين الفلسطينيّين، منصّاتيا، على وسائل التّواصل الاجتماعيّ، من خلال الدّفع بتعريفات موسّعة وتميّيزيّة للسّياسات المتعلّقة بمزاعم "الإرهاب"، و"المحتوى المتطرّف"، وخطاب الكراهية، و"التّحريض" على الكراهية العرقيّة. وأصبحت هذه استراتيجية معروفة جيّدا مع المطالبات الظّاهريّة لمنظّمات كثيرة بتغيير سياسات شركات وسائل التّواصل الاجتماعيّ، وبتحديد التّعريفات الموسّعة لــ "الإرهاب"، وخطاب الكراهية، و"التّحريض على العنف"، والّتي ستؤدّي في نهاية المطاف إلى طمس خطاب حقوق الإنسان المشروع، وإلى قمع النّاشطين والمدافعين عن الفلسطينيّين ومنظّمات حقوق الإنسان المعنيّة.

الخلاصة والتّوصيات

لا بدّ أن يكون احترام حماية حقوق الفلسطينيين الرّقميّة والالتزام بها، جزءًا جوهريًا من سياسات وممارسات الدّول والشّركات. وكما تُظهر ورقة الموقف هذه، فإنّ انتهاكات حقوق الفلسطينيّين الرّقميّة وحقوق الإنسان خاصّتهم، في تزايد مستمر على الإنترنت كما خارجه، وتتم وسط جهد إسرائيليّ ممنهج لإسكات الفلسطينيين المنادين بضمان حقوقهم، ومؤيّديهم. تفرض إسرائيل من خلال وزاراتها، والمنّظمات غير الحكوميّة المُدارة حكوميًا المؤيّدة لها، وجيوش متصيّديها، حملات التّشهير ونزع الشّرعيّة، وتقمع الحيّز الفلسطينيّ الرّقميّ كما الحقيقيّ في مسعى لزيادة إخضاع الفلسطينيّين، ومنع النّاشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان والمنظّمات العاملة في المجال من التّحدّي النّاجع والفعّال لقمع المنظومة الإسرائيليّة للشّعب الفلسطينيّ، وإحكام سيطرتها عليه. وتؤدّي هذه المساعي إلى أضرار حقيقيّة في ظلّ الخضوع المتواصل لحكومات، وشركات، وبنوك للضّغوطات الإسرائيليّة. ومع أنّ هذه المجموعات تّدعي أنّ جهودها غير تميّيزيّة، إلّا أنها تبتدع في حقيقة الأمر معلومات مضلّلة وتستخدمها لنزع الشّرعيّة عن العمل المناصر لحقوق الإنسان وتقويض المناصرة المشروعة لفلسطين.

يجب على دول الطّرف الثّالث، والشّركات، والمجتمع المدنيّ، أن تعمل لحماية مساحة عمل المجتمع المدنيّ، والعمل الحيوي للمدافعين عن حقوق الإنسان والمنظّمات العاملة في المجال، وأن تعارض في خضم ذلك، حملات التّشهير وانتزاع الشّرعيّة الّتي تهدف إلى إسكات تحدّيها لسياسات وممارسات إسرائيل غير القانونيّة. وعلى وجه الخصوص، يجب أن تضمن الدّول والشّركات، وجود بيئة آمنة للنّاشطين والمدافعين عن حقوق الفلسطينيّين والمنظّمات العاملة في المجال، لتمكينهم من مواصلة عملهم. تعتمد التّوصيات الواردة في هذه الورقة، على التزامات الدّول والشرّكات بموجب القانون الدّوليّ لحقوق الإنسان والقانون الإنسانيّ الدّوليّ.

دول الطّرف الثّالث

  1. يتوجّب على الدّول أن تحترم حقّ الفلسطينيّين بالتّعبير وتكوين الجمعيّات، وضمان عدم المساهمة في، أو دعم حملات التّشهير ونزع الشّرعيّة الإسرائيليّة الّتي تستهدف النّاشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان والمنظّمات العاملة في المجال، بما يشمل الامتناع عن حظر المؤسّسات الفلسطينيّة منصّاتيا، استنادا إلى حملات تضليل رقميّة، ومزاعم لا أساس لها.
  2.  يجب أن تدين دول الطّرف الثالث حملات التّشهير ونزع الشّرعيّة الإسرائيليّة الّتي تستهدف الناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان والمنظّمات العاملة في المجال، وأن تطالب إسرائيل بإنهائها، بما يشمل المساعي الرّامية إلى نزع شرعيّة المعارضة السياسيّة أو النّقد لإسرائيل، أو تجريمها أو تقيّيدها، إذ أنّ حريّة التّعبير محميّة بموجب القانون الدّوليّ لحقوق الإنسان سواء عُبّر عنها على الإنترنت أو خارجه.
  3. يجب أن تعارض دول الطّرف الثّالث محاولات تقليص مساحة المجتمع المدنيّ والدّعم لعمل المدافعين عن حقوق الإنسان ومنظّماتها المناصرة لحقوق الفلسطينيّين، السّاعين إلى تحقيق العدالة والمساءلة بموجب القانون الدّوليّ.
  4. ينبغي أن تضمن دول الطّرف الثّالث ألّا تنخرط الشّركات المقيمة في أراضيها في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في المناطق المتأثّرة بالصّراع، بما في ذلك في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة عام 1967، والعمل على وضع حد لتواطؤ الشرّكات مع الاحتلال الإسرائيليّ والمشاريع الاستيطانيّة غير القانونيّة.

الشّركات

  1. يتوجّب على الشّركات أن تبذل العناية الواجبة في مجال حقوق الإنسان، لمنع وتخفيف مخاطر نشاطاتها وعلاقات الأعمال الخاصّة بها على حقوق الإنسان، ولا سيّما في الوضعيّات المتأثّرة بالصّراع، ووضعيات الاحتلال، بما في ذلك في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة عام 1967، وذلك بما يتماشى مع المبادئ التّوجيهيّة للأمم المتّحدة بشأن الأعمال التجاريّة وحقوق الإنسان.
  2. ينبغي أن تضمن الشّركات عدم مساهمة سياساتها وممارساتها في تعزيز المساعي الإسرائيليّة الممنهجة لطمس العمل المناصر لحقوق الفلسطينيّين وحريّة التّعبير، وأن تضع ضمانات لحماية حقوق الفلسطينيّين على منصّاتها، ولا سيّما الحقّ في التعّبير عن الرأي وتكوين الجمعيات.
  3. على شركات التّكنولوجيا أن تعي الطّرق الّتي تُستغل فيها منتجاتها في سبيل التّقليص الإضافيّ لمساحة المجتمع المدني، والنّاشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان، خاصّة عندما يتعلّق الأمر بضلوع الدّول، والفاعلين غير الحكوميّين، والمتصيّدين الرّقميّين، في حملات التّشهير التّي تسعى إلى نزع الشّرعيّة عن العمل الحقوقيّ واسكاته، بما في ذلك من خلال استخدام مزاعم لا أساس لها بالارتباط أو الانتماء لــ "الإرهاب" أو لمنظّمات "إرهابيّة".
  4. يجب أن تضمن الشّركة في سياساتها المتعلّقة بمكافحة "الإرهاب"، ألّا تكون تعريفاتها غامضة أو فضفاضة، وألّا تنتهك أو تتيح انتهاك القانون الدّوليّ لحقوق الإنسان، عبر تقويض حريّة التّعبير على الإنترنت.
  5. يتوجّب على الشّركات إزالة المحتوى الّذي يهدف إلى تشويه النّاشطين والمدافعين عن حقوق الفلسطينيّين، والمنظّمات المعنيّة، عبر وصمها بــ "الإرهاب" و"المنظّمات الخطرة"، وعليها أن تضع تعريفات واضحة للمعلومات المضلّلة، وحسابات المصادر المعروفة بنشر المعلومات المضلّلة على الإنترنت، وعليها أن تحذفها.
  6. على الشّركات أن تؤسّس لحّقّ منصف ومفتوح بالاستئناف تجاه أي خلل مادّي أو تعليق، أو إلغاء للخدمة. وينبغي أن يشمل ذلك بيان يوضّح سبب رفض الخدمة في وقت رفضها، مع شرح واضح للأنشطة المحدّدة التي أدّت إلى الرّفض.
  7. على الشركات أن توفّرصانع قرار حياديّ يملك الخبرة الكافية في القضايا المتعلّقة برفض البت في الاستئناف.
  8. على الشّركات أن تختبر بشكل دوريّ، سياساتها وإجراءاتها للتأكد من أنّها لا تؤدّي إلى التّميّيز ضد أي شخص أو مجموعة.

 

 



[1] ترجمة خاصة بهذا التّقرير لمصطلح "Deplatforming"، وهي عملية تنطوي على منع الأفراد، أو المجموعات، أو المنظّمات، من الوصول إلى المنصّات للتعبير عن آرائهم الّتي تعتبرها هذه المنصّات "انتهاكا" لمعاييرها، والّتي عادة ما تستخدمها وسائل التواصل الاجتماعيّ وشركات التّكنولوجيا الأخرى لممارسة حظر انتقائي ضد مستخدمي منصّاتها بحجّة انتهاكهم معاييرها.

[2] Report of the Special Rapporteur on the situation of human rights in the Palestinian territories occupied since 1967. (2019, October 21). Situation of human rights in the Palestinian territories occupied since 1967.  Retrieved from https://undocs.org/A/HRC/40/73

[3] Office of the High Commissioner on Human Rights (2011). Guiding Principles on Business and Human Rights. Retrieved from https://www.ohchr.org/Documents/Publications/GuidingPrinciplesBusinessHR_EN.pdf

[4] Schmid, Alex P. (2011). The Definition of Terrorism. In: Schmid, Alex P. (ed.). The Routledge Handbook of Terrorism Research, p. 39. Archived from the original on 20 February 2017. Retrieved from: https://web.archive.org/web/20170220052128/https://books.google.com/books?id=_PXpFxKRsHgC&pg=PA39

[5]  Amnesty International. (2019, January). “Israel and Occupied Palestinian Territories: Destination: Occupation Digital Tourism and Israel’s Illegal Settlements in the Occupied Palestinian Territories.” Retrieved from: https://www.amnesty.org/en/documents/mde15/9490/2019/en/ 

[6] Ministry Of Strategic Affairs and Public Diplomacy (2019, August). About. Retrieved from https://www.gov.il/en/departments/units/ministry_of_strategic_affairs_and_public_diplomacy

[7] See specific post illustrating the images related to the #terroristsinsuits initiative https://twitter.com/hashtag/TerroristsInSuits?src=hash

[8] Landau, N. (2018, July) EU Blasts Israeli Minister: You Feed Disinformation and Mix BDS, Terror. Retrieved from: https://www.haaretz.com/israel-news/.premium-eu-s-mogherini-to-israeli-minister-you-feed-disinformation-1.6280308 

[9] See specific post illustrating the images related to the #terroristsinsuits initiative. Retrieved from:  https://twitter.com/hashtag/TerroristsInSuits?src=hash

[10] Stead, R. (2018, December 15). Detention is an instrument of Israel's oppression. Retrieved from: https://www.middleeastmonitor.com/20181215-detention-is-an-instrument-of-israels-oppression/

[11] Al Haq. (2018, December) Israel furious as the prestigious French human rights award goes to B'Tselem. Retrieved from: https://www.middleeastmonitor.com/20181207-israel-furious-as-prestigious-french-human-rights-award-goes-to-btselem-al-haq/

[12] Al Haq. (2019, August 24). Al Haq submits a joint urgent appeal to United Nations Special Procedures on the ongoing Israeli smear campaign against Al-Haq. Retrieved from: http://www.alhaq.org/advocacy/14857.html

[13] Gurvitz, Y. (2014, April 29). What Is NGO Monitor's Connection to the Israeli Government? Retrieved from: https://972mag.com/what-is-ngo-monitors-connection-to-the-israeli-government/90239/

[14] Ullah, A. (2018, November 14). Pro-Israel Activists Seek to Manipulatee Online Response to Gaza Violence. Retrieved from: https://www.middleeasteye.net/news/pro-israel-activists-seek-manipulate-online-response-gaza-violence

[15] CBS Local. (2013, August 14). Israeli Government Hiring Students To Post Anonymous Pro-Israel Messages On Social Media. Retrieved from: https://washington.cbslocal.com/2013/08/14/israeli-government-hiring-students-to-post-anonymous-pro-israel-messages-on-social-media/

[16] Ibid

[17] Deutsche Welle. (2014, July 18). Israelis and Palestinians Battle on Social Media. Retrieved from: https://www.dw.com/en/israelis-and-palestinians-battle-on-social-media/a-17794060

[18] Maltz, J. (2017, September 19) Jewish Agency Pulls Funding From Israel Experience Program Over West Bank Activism. Retrieved from: https://www.haaretz.com/israel-news/jewish-agency-pulls-from-israel-experience-program-over-west-bank-activism-1.5451824

[19] Deutsche Welle. (2014, July 18). Israelis and Palestinians Battle on Social Media. Retrieved from: https://www.dw.com/en/israelis-and-palestinians-battle-on-social-media/a-17794060

[20] Winstanley, A. (2019, June 12). Inside Israel's million-dollar troll army. Retrieved from https://electronicintifada.net/content/inside-israels-million-dollar-troll-army/27566

[21] Mackey, R. (2014, July). New York Times. “Young Israelis Fight Hashtag Battle to Defend Israel Under Fire. Retrieved from: https://www.nytimes.com/2014/07/16/world/middleeast/young-israelis-fight-hashtag-battle-to-defend-israelunderfire.html

[22] Daro, Ishmael. (2018, September). BuzzFeed News.  How An App Funded By Sheldon Adelson is Influencing the Online Conversation About Israel. Retrieved from:  https://www.buzzfeednews.com/article/ishmaeldaro/act-il-social-media-astroturfing-israel-palestine

[23] ACT.IL. (2017). About us. Retrieved from: https://act-il.com/about-us/

[24] Oren, A. (2016, June 20). Israel Setting Up 'Dirty Tricks' Unit to Find, Spread Dirt on BDS Groups. Retrieved from https://www.haaretz.com/israel-news/.premium-israel-setting-up-dirty-tricks-unit-to-spread-dirt-on-bds-groups-1.5397740

[25] Israel Today. (2017, 5). Times of Israel. Israel Launches Iron Dome of Truth Website at Celebrate Israel Parade. Retrieved from: https://www.timesofisrael.com/israel-launches-iron-dome-of-truth-app-at-celebrate-israel-parade/

[26] International Crisis Group (2019, June 12). Reversing Israel’s Deepening Annexation of Occupied East Jerusalem. Retrieved from: https://www.crisisgroup.org/middle-east-north-africa/eastern-mediterranean/israelpalestine/202-reversing-israels-deepening-annexation-occupied-east-jerusalem

[27]  Human Rights Watch (2020, January). Annual Report: Israel and Palestine: events of 2019. Retrieved from: https://www.hrw.org/world-report/2020/country-chapters/israel/palestine

[28] Whitaker, B. (2002, August 12). Selective Memri. Retrieved from: https://www.theguardian.com/world/2002/aug/12/worlddispatch.brianwhitaker

[29] MEMRI. (n.y.). About. Retrieved from https://www.memri.org/about

[30] Perelman, M. (2001, December 7). No Longer Obscure, Memri Translates the Arab World But Detractors Say a Right-Wing Agenda Distorts Think-Tank's Service to Journalists. Retrieved from: https://web.archive.org/web/20011206222409/http://www.forward.com/issues/2001/01.12.07/news7.html

[32] Fear, Inc. (2011, August). The Roots of the Islamophobia Network in America. Retrieved from: http://www.americanprogress.org/issues/2011/08/pdf/islamophobia.pdf

[33] MEMRI. (n.y.). About. Retrieved from https://www.memri.org/about

[35] UN Watch. (n.y.). About: Retrieved from: https://unwatch.org/en/

[37] UN Watch. (n.y.). About: Retrieved from https://unwatch.org/en/

[38] Williams, I. (2007, April 4). Casting the first stone. The Guardian. Retrieved from: https://www.theguardian.com/commentisfree/2007/apr/04/itwasamakemydayevent

[39] Adalah. Israel releases 'BDS blacklist' banning 20 NGOs from entering country. Retrieved from: https://www.adalah.org/en/content/view/9347

 

[40]Wistanly, A. (2017, July). Electronic Intifada.  Israel Spied On Interfaith Delegation’s Emails Activist Says. Retrieved from: https://electronicintifada.net/blogs/asa-winstanley/israel-spied-interfaith-delegations-emails-rabbi-says 

[41] Maltz, Judy. (2017, July). Haaretz. “These Four Things Will Get You Barred from Entering Israel”. Retrieved from: https://www.haaretz.com/israel-news/israel-s-bds-travel-ban-these-4-things-will-get-you-barred-1.5434933

[42] Ibid

[43] Ibid.

[44] The Entry to Israel Law (Amendment No. 27) (Denying a Visa and Residency Permit for Advocates of Boycotting Israel), 2017. See more: https://www.adalah.org/en/content/view/9057

[45] Human Rights Watch (2019, November 25). Israel Expels Human Rights Watch Director Today. Retrieved from: https://www.hrw.org/news/2019/11/25/israel-expels-human-rights-watch-director-today

[46] NGO Monitor. (n.y.). FAQ. Retrieved from: http://www.ngo-monitor.org/about/faqs

[47] NGO Monitor (2018, September). Shrinking Space: Defaming human rights organizations that criticize the Israeli occupation. Retrieved from http://policyworkinggroup.org.il/report_en.pdf

[48] Ibid.

[49] Ibid.

[50] Canary Mission. (n.y.). About. Retrieved from: https://canarymission.org/

[51] Against Canary Mission Project. (n.y.). About. Retrieved from: http://againstcanarymission.org  

[52] Committee on American Freedom. (2018, April 18). Exposing Canary Mission. Retrieved from: https://mesana.org/advocacy/committee-on-academic-freedom/2018/04/18/exposing-canary-mission

[53]  Kazis, J. N., & Casey, N. (2018, August 3). Canary Missions threat grows from US campuses to the Israeli Border. Retrieved from: https://forward.com/news/national/407279/canary-missions-threat-grows-from-us-campuses-to-the-israeli-border/

[54] Adalah. (2019, November). Israel State Attorney claims censorship of social media content, following Cyber Unit requests, isn't an 'exercise of gov’t authority'. Retrieved from:https://www.adalah.org/en/content/view/9859

[55] Ibid

 

[56] Maan Development Center. (2011, January).  Matrix of Control the Impact of Conditional funding on Palestinian NGOs. Retrieved from: https://www.maan-ctr.org/old/pdfs/FSReport/PositionPaper.pdf

[57] UKLFI (2018, June 26). Banks withdraw services from terror linked NGO. Retrieved from: http://www.uklfi.com/banks-withdraw-services-from-terror-linked-ngo

[58] UKLFI (2019, June 6). GlobalGiving UK is pulled from DCI-P’s donations page. Retrieved from: http://www.uklfi.com/globalgiving-uk

[59] Center for Constitutional Rights (2018, December 21). Donor Box Suspends BDS National Committee’s Account after Threats from Israeli Legal Group. Retrieved from: https://www.commondreams.org/newswire/2018/12/21/donorbox-suspends-bds-national-committees-account-after-threats-israeli-legal

انضم/ي إلى قائمة النشر

لتكن جزء من التكافل المجتمعي وتنضم لفريق النشر في حملة