اصدارات
مساعٍ ممنهجة لطمس المحتوى الفلسطيني على وسائل التواصل الاجتماعي

2020-06-07

أعدت ورقة الموقف هذه من قبل حملة- المركز العربي لتطوير الاعلام الاجتماعي كجزء من عمل المناصرة للمركز ، الذي يتخصص في الدفاع عن الحقوق الرقمية الفلسطينية. هذه الورقة جزء من سلسلة من أوراق الموقف التي تبحث في آثار سياسات وممارسات الحكومات والشركات على الحقوق الرقمية الفلسطينية.

 

إعداد: منى شتيه

للتحميل بنسخة PDF من هنا

 

المقدّمة

منذ عام 2015، وفي أعقاب الهبّة الشّعبيّة الفلسطينيّة آنذاك، بدأت تشهد وسائل التواصل الاجتماعيّ اختفاءً تدريجيا للمحتوى الفلسطينيّ. ونجم هذا النّوع التميّيزي من إزالة المحتوى، والّذي استمرّ وتعاظم على مدار سنويّ منذ الفترة المذكورة، عن تغيير في سياسات وممارسات إسرائيل وشركات التّواصل الاجتماعيّ، وخاصّة "فيسبوك" (Facebook)، والّتي تعدّ منصّة التواصل الاجتماعيّ الأكثر انتشارا بين الفلسطينيين.

ومن المثبت على نطاق واسع، أنّ إسرائيل عملت ولا زالت تعمل على تقليص مساحة حريّة التّعبير للفلسطينيين، ولا سيّما للنّاشطين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والمنظّمات العاملة في المجال، والّذين ينشطون ويعملون في سبيل محاسبة إسرائيل على انتهاكاتها المتواصلة لحقوق الإنسان، والّذين يناضلون من أجل حقوق الفلسطينيين بشكل عام. وانتقلت هذه المحاولات الإسرائيليّة في الأعوام القليلة الماضية، إلى حيّز الإنترنت، متضمّنة جهودا ممنهجة لممارسة الضّغوطات على شركات وسائل التواصل الاجتماعيّ، وخاصّة "فيسبوك"، لدفعها نحو استهداف المحتوى الفلسطينيّ وإزالته. ناهيك عن أنّ تعريف خطاب الكراهية قد توسّع. إذ تعمل إسرائيل منذ سبعينيات القرن الماضي، على تضييق مساحة حريّة التّعبير عبر توسيع تعريف معاداة الساميّة لتشمل أيّ انتقاد يوجّه لإسرائيل أيضا. [1]وفي الأعوام الماضية، ومع نمو جهود المناصرة  الرّقميّة، انشغلت إسرائيل أيضا في محاولات الخلط بين انتقاد إسرائيل، ومناهضة الصهيونيّة، ومناصرة حقوق الفلسطينيين، وبين خطاب الكراهية والتّحريض على العنف و"الإرهاب". بالإضافة إلى ذلك، استغلّت إسرائيل التّطور العام في مجال "مكافحة الإرهاب" بعد تفجيرات الـ11 من أيلول/ سبتمبر 2001 في الولايات المتّحدة، كما وانتهزت مؤخّرا، فرصة التّدافع العالميّ لـ"اجتثاث" ما يوصف بـ"المحتوى الإرهابيّ والمتطّرّف العنيف" في أعقاب مجزرة "كرايستشيرش" في نيوزيلاندا، في سبيل تقويض حريّة التّعبير بما يتعلّق بالقضايا الحقوقيّة للفلسطينيين على الإنترنت. وتسببّت هذه الجهود، بإزالة مئات الآلاف[2]، بل وربما الملايين، من أشكال المحتوى المختلفة الّتي وثّقت مظاهرات، وهبّات شعبيّة، وانتهاكات لحقوق الإنسان الخاصّة بالفلسطينيين، بذريعة "خطاب الكراهية".[3]

وكان العدد الدّقيق لكم المحتوى المُزال مُبهما طوال أعوام. ولكنّ الحكومة الإسرائيليّة أقرّت مؤخرا، ونتيجة لطلب معلومات تم إصداره وفقا لقانون الوصول إلى المعلومات الإسرائيليّ، بأنّ الطلبات المباشرة الّتي قدّمتها بين العامين 2017 و2018، لشركات التّواصل الاجتماعيّ، أدّت إلى محو 27 ألف منشور على "فيسبوك"، و"تويتر" (Twitter)، و"جوجل" (Google). [4]  وأوضح "عدالة - المركز القانونيّ لحماية حقوق الأقليّة العربيّة في إسرائيل"، في تقرير أصدره، أنّ وزارة القضاء الإسرائيليّة، قدّمت عشرات الآلاف من الطّلبات لوسطاء المحتوى، مثل "فيسبوك" و"جوجل"، بهدف فرض رقابة على الرواية الفلسطينيّة. [5] وفي حين أنّ هذه المساعي لا تقتصر على المحتوى الفلسطينيّ فحسب، فإنّ وزيرة القضاء الإسرائيليّة، آييلت شاكيد، صرّحت أنّ "فيسبوك، وجوجل، ويوتيوب، تمتثل لنحو 95% من طلبات إزالة المحتوى الّذي تقول الحكومة الإسرائيليّة إنه يحرّض على العنف الفلسطينيّ". تُظهر هذه الممارسات التّركيز الهائل على المحتوى الفلسطينيّ ومحاولات تصنيف الخطاب السياسيّ الفلسطينيّ في خانة "التّحريض على العنف".[6]

تسعى ورقة الموقف هذه إلى إيضاح كيف تتسبّب الحملات الممنهجة الّتي تقوم بها الحكومة الإسرائيليّة ومنظّمات غير حكوميّة مدعومة منها، والمتصيّدون على الإنترنت، بانتهاك حقّ الفلسطينيين في حريّة التّعبير والحق في التّجمّع على "فيسبوك". وتنطلق ورقة الموقف من مناقشة التزامات إسرائيل و"فيسبوك"، باحترام حقوق الإنسان والحقوق الرقميّة للفلسطينيين، ومن ثمّ تُظهر كيف طوّرت إسرائيل تكتيكات واستراتيجيات تسعى إلى تقليص إضافيّ للحيّز الرّقميّ الفلسطينيّ، فضلا عن إظهار أحد الأساليب الرئيسيّة المُستخدمة في محاولات إسكات الفلسطينيين على الإنترنت وتعزيز الأهداف السياسيّة الإسرائيليّة غير القانونيّة لذلك. ولا تكتف الورقة بتسليط الضّوء على كيفيّة استغلال إسرائيل لـ"فيسبوك"، بل كيف تؤدي سياسات وممارسات الشّركة إلى مزيد من الانتهاكات لحقوق الفلسطينيين الرقميّة. وأخيرا، تختتم الورقة بتوصيات حول كيف يُمكن للشّركات، ودول الطّرف الثالث، والمجتمع المدنيّ المحليّ والدوليّ، أن تُساهم في دعم حقوق الإنسان عبر الإنترنت وحماية الحقوق الرقميّة للفلسطينيين.

 

الالتزامات بحماية حقوق الفلسطينيين الرّقميّة

تلعب الدّول والشّركات دورا متزايد الأهميّة في التّشجيع العالمي، والتّطبيق المحليّ لمعايير حقوق الإنسان. وتترتّب على الدّول واجبات لاحترام وحماية وإعمال حقوق الإنسان للجميع دون تمييز، والّتي تشتمل على ضمان تماثل عمل الشرّكات الّتي تعمل في أراضيها، مع مبادئ الأمم المتّحدة التّوجيهيّة بشأن الأعمال التّجارية وحقوق الإنسان. [7]وهذا أمر عسير جدّا لا سيّما أنّ القوانين المحليّة تختلف من حيث درجة امتثالها للمعايير الدّوليّة، وخاصّة في الحالات الّتي تكون بها المنظومة القانونيّة مُصممّة ومُسّخرة للدّفع بأهداف سياسيّة تنتهك حقوق الإنسان على الإنترنت كما خارجه. وفي الحالة التي يخضع لها الفلسطينيون، يوجد تناقض معقّد للغاية في مقدار ما هو متاح لهم من حقوق يُمكنهم التّعبير عنها بموجب السّياقات المحليّة الّتي تشمل إسرائيل كسلطة احتلال، والسّلطة الفلسطينيّة، وحكومة الأمر الواقع- حماس في قطاع غزّة. وانطلاقا من كون "فيسبوك"، شركة تتّخذ من الولايات المتّحدة مقرّا لها، وتيسّر أعمالها في كلّ من إسرائيل والأراضي الفلسطينيّة المحتلّة، فيجب عليها الالتزام بعدم تعريض حقوق الفلسطينيين لمزيد من الانتهاكات من خلال  سياسات وممارسات إدارة  المحتوى خاصّتها، وأن ترسي ضمانات تكفل احترام حقوقهم على منصّاتها. ويجب ألّا يقتصر الالتفات للحقّ في حريّة التّعبير، والحقّ في حريّة التّجمّع، على القانون الدّوليّ لحقوق الإنسان، ومعايير القانون الدّوليّ الإنسانيّ، وقانون الاحتلال فقط، بل يجب أن يؤخذا بعين الاعتبار أيضا من خلال فهم الأهداف الإسرائيليّة السياسيّة غير القانونيّة، والّتي تجري عمليّة لتوسعتها في الفضاء الرّقميّ كما خارجه. وينبغي أن يوضع بعين الاعتبار أيضا، أن حقوق الفلسطينيين تعاني من انتهاكات متزايدة، بسبب فرض إسرائيل لحالة الطّوارئ منذ عام 1948، وحالتي الطوارئ الّلتين فرضتهما مؤخرا كل من إسرائيل والسّلطة الفلسطينيّة، استجابة لتفشي فيروس كورونا المستجد. وقد أدّى ذلك إلى خلق بيئة مواتية لمزيد من انتهاكات الحقوق على الإنترنت وخارجه.

تتعدّد تفسيرات الانتهاكات المُرتكبة ضد حقوق الفلسطينيين الرّقميّة ولا يتماشى الكثير منها مع القانون الدّوليّ لحقوق الإنسان. فعلى سبيل المثال، توفّر القوانين المناهضة لـ"التّطرّف"، والّتي تتغاضى عن التّعريف الدّقيق لمصطلحات عديدة مثل "الإرهاب"، صلاحية تقديريّة للسّلطات، لكي تستغلها في ممارسة ضغوطات على الشّركات لإزالة المحتوى على أُسس مشكوك فيها. وعلى نحو مشابه، تتسبّب التّعريفات غير الواضحة لـ"خطاب الكراهية"، عادة، بتجريم خطاب حقوق إنسان شرعي. ونظرا لأنّ الشّركات غالبا ما تتعرّض لضغوطات للامتثال لقوانين الدّولة التي تجرّم المحتوى الذي تدرجه تحت مختلف الخانات المحظورة، كالتّجديف، أو انتقاد الحكومة، أو التّشهير الكاذب بالمسؤولين على سبيل المثال، فإن هذه الجزئيّة تتطلّب مستوى أعلى من الاهتمام للسيّاق الموجود، وحقوق النّاس ومسؤولياتها كشركة.

 

تطوير الاستراتيجيات والتّكتيكات الإسرائيليّة

 في الأعوام القليلة الماضية، طوّرت الحكومة الإسرائيليّة، استراتيجيات وتكتيكات تهدف إلى تضييق مساحة حريّة التّعبير والتّجمّع أمام الفلسطينيين على الإنترنت، وبشكل أوسع، حيّز التّعبير عن حقوق الفلسطينيين وانتهاكات حقوق الإنسان التي تمارسها إسرائيل. وهذا يشمل تطوير أجهزة حكوميّة وغير حكوميّة، وتجنيد جيوش متصيّدين على الإنترنت، لتقوم بعمليّات ومهمّات علانيّة وسريّة تهدف إلى إزالة  المحتوى الفلسطينيّ على الإنترنت والتضييق عليه، ونزع الشّرعيّة عن جهود مناصرة الفلسطينيين، ونشر المعلومات المضلّلة. ويعدّ هذا المجهود الدّوليّ الممنهج لإسكات الفلسطينيين، مسلكا آخر لفرض الاحتلال الإسرائيليّ غير القانونيّ، صُمّم لتعزيز أهدافه السياسيّة، بما يتعارض مع القانون الدّوليّ.  ولا بدّ أن تفهم منصّات وسائل التواصل الاجتماعيّ، ودول الطّرف الثالث، كيف تدعم سلطات الاحتلال تطوير سياسات إدارة محتوى تمييزيّة، وطرق حوكمتها وإدارتها.

دأبت إسرائيل منذ عام 2015، على استحداث وزارات جديدة ووحدات خاصّة للتّبليغ عن المحتوى الفلسطينيّ لشركات وسائل التّواصل الاجتماعيّ. وفي العام ذاته، أنشأت وزارة القضاء الإسرائيليّة "وحدة سايبر" خاصّة، من أجل دعم وحدة "جرائم السايبر الوطنية" الإسرائيليّة ("لاهاف 433")، والقانون الإسرائيليّ "سلطة المعلومات والتكنولوجيا" في وزارة القضاء. [8]  ووحدة "السايبر" مسؤولة أيضا عن إرسال طلبات لشركات التكنولوجيا مثل "فيسبوك" و"جوجل"، تستند إلى انتهاكات مزعومة للقوانين المحليّة، ووفقا للمبادئ التوجيهيّة والشروط والأحكام الخاصّة بالشّركات نفسها.  ورغم ادّعاء مركز "عدالة"، و"جمعيّة حقوق المواطن في إسرائيل"، بأنّه ليس من حقّ وحدة "السايبر" أن ترفع طلبات "اختياريّة" تتجاوز المبادئ الدستوريّة والإداريّة، بما في ذلك الشّفافيّة والإجراء العادل،[9] إلا أنّ هذه العمليات لا تزال مستمرّة، ونتيجة للمساعي الإسرائيليّة، أُزيل كم هائل من المحتوى الفلسطينيّ، وفُرضت قيود شديدة على حريّة التّعبير والرأي من قبل "فيسبوك" وشركات وسائل التّواصل الاجتماعيّ الأخرى.

كما وتشجّع إسرائيل وعدد من المنظّمات الحكوميّة وغير الحكوميّة، مواطنيها ومؤيّديها على الانخراط في الجهود المنسّقة للتّبليغ عن المحتوى الفلسطينيّ من أجّل الدّفع إلى إزالته من الشّبكات الاجتماعيّة. وتعمل عدّة منظمّات كهذه الّتي تُسمّى بـ"المنظّمات غير الحكوميّة المُدارة حكوميا"، للخلط بين الانتقادات الموجّهة لإسرائيل ومناهضة الصهيونيّة، وبين اللاساميّة وخطاب الكراهية[10]، وصُمّمت استراتيجيات للتّلاعب بخوارزميّات وسائل التواصل الاجتماعيّ، بدعم من متصيّدين رقميّين. [11]وينطوي عمل هذه الجهات على الدّمج بين المحاولات لإزالة المحتوى الناقد لإسرائيل والدّاعم لحقوق الإنسان الفلسطينيّ، وترويج المحتوى الموجّه نحو التّشهير بالفلسطينيين، والّذي يتضّمن نشر المعلومات المضلّلة، والتّحريض، وخطاب الكراهية ضد الفلسطينيين. وأُنشئت أولى مجموعات التصيّد على الإنترنت، تحت اسم "إيه سي تي. آي إل" (ACT.IL)، بواسطة "مركز هرتسليا متعدّد التّخصّصات"، بالتعاون مع "المجلس الإسرائيليّ الأميركيّ"، وهو عبارة عن مؤسّسة أميركيّة غير حكوميّة مدعومة من المانح المؤيّد للاستيطان الإسرائيلي، شلدون أدلسون. وبعد اختبار المجموعة أوّلا خلال الهجمات الإسرائيليّة على قطاع غزّة بين العامين 2012 و2014، والّتي تسبّت  باستشهاد  آلاف المدنيين الفلسطينيين، صُمّمت "إيه سي تي. آي إل" للتّنسيق بين مجموعات المتصيّدين الرقميّة في مسعاها للتّبليغ عن المحتوى، ومشاركة محتوى يتّضمّن معلومات كاذبة وخطاب كراهية مُوجّه ضد الفلسطينيين. ويُشارك في المنصّة الرقميّة اليوم، 15 ألف عضو، وتملك مكاتب في ثلاثة دول. [12]إضافة إلى ذلك، طوّرت وزارة الشّؤون الاستراتيجيّة الإسرائيليّة، تطبيقا شبيها تحت اسم "4 آي إل. أورغ. آي إل" (4IL.org.il)، في حزيران/ يونيو 2017. ويُكلّف هؤلاء المتصيدون بالاحتشاد ضد المحتوى الفلسطينيّ والتّبليغ عنه بهدف إزالته، أو نشر معلومات مضلّلة أو كاذبة في بعض الأحيان، أو التّشهير بالمدافعين عن حقوق الإنسان والمنظّمات والنّاشطين.

وفي إحدى الحالات، حاولت وزارة الشّؤون الاستراتيجيّة و"4IL.org.il"، التّرويج لمزاعم بأنّ العديد من قياديي منظّمات حقوق الإنسان الفلسطينيّة، "إرهابيّون"، أو يتبعون إلى منظّمات "إرهابيّة"، من خلال حملة تحت عنوان "إرهابيّون ببدلات" (#TerroristsInSuits). وفي حين أنّ الحملة تسعى إلى طمس العمل المناصر لحقوق الإنسان، فإنها قد تؤدّي إلى تحريض على العنف ضد ناشطين، ومدافعين عن حقوق الإنسان، ومؤسّسات تناصر حقوق الفلسطينيين، وتتسبّب بخلق "تأثير رادع" (أي انتشار فرض الرّقابة الذاتيّة)، وتقليص مساحة حريّة التعّبير بما يتعلّق بحقوق الإنسان. وكشفت الأبحاث الّتي أجراها صحافيون ومدافعون عن حقوق الإنسان، ودبلوماسيّون، وأكاديميّون، حول مدى مصداقيّة هذه الحملة، أنّها تستخدم عناوين وصورا مضلّلة. [13]وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2019، أبدى تقرير المقرّر الخاص عن حالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة منذ عام 1967، قلقا خاصّا إزاء "(...) الممارسات المؤذية الّتي تطبّقها القيادة السياسيّة وسلطات الدّولة في إسرائيل لإسكات انتقادات المدافعين عن حقوق الإنسان لسياسات حكومية معيّنة"[14] بالإضافة إلى ذلك، أوكلت للمنظّمات غير الحكوميّة المُدارة حكوميا، وجيوش المتصيّدين، مهمّة الضغط على أزرار الإعجاب بالمحتوى، ومشاركته والتّعليق عليه، في سبيل زيادة انكشافه على شبكات التّواصل الاجتماعيّ. وعبر هذا الانخراط المتزايد، أصبحت المنشورات الأوليّة والتّعليقات أكثر انكشافا على "فيسبوك". وتحمل الكثير من هذه التّعليقات دلالات عنصريّة ضد الفلسطينيين، ولكنّ شركات التّواصل الاجتماعيّ لم تزلها حتى الآن. وبهذه الطّريقة، تستطيع الحكومة الإسرائيليّة والمنظّمات المختلفة، والمتصيّدون، خلق بيئة أكثر قمعا للفلسطينيين على الإنترنت، والمساهمة في تقليص مساحة حريّة التّعبير والتّجمع وتكوين الجّمعيّات على الشّبكات الاجتماعيّة.

ويعمل السياسيّون الإسرائيليّون أيضا، على توسيع سيطرتهم على حيّز حريّة تعبير الفلسطينيين على الإنترنت، عبر صياغة قوانين وتشريعات مخصّصة لوسائل التّواصل الاجتماعيّ. ففي عام 2017، ابتدعت الحكومة الإسرائيليّة مشروع "قانون فيسبوك" للضّغط على شركات وسائل التّواصل الاجتماعيّ للامتثال للتّعريف الإسرائيليّ الفضفاض لـ"التّحريض"، والّذي يتعارض مع القوانين الدّوليّة لحقوق الإنسان (مبادئ الضّرورة، والتّناسب والشّرعيّة). ومن شأن مشروع القانون أن يمنح المحاكم الإداريّة الإسرائيليّة، سلطة حجب المحتوى الّذي تعتبره "تحريضا" على الإنترنت، بطلب من الحكومة. ومن شأنه أيضا، أن يتيح إصدار أوامر لمحو المحتوى "إذا ما أضرّ بالسّلامة العامّة، والاقتصاد العام والدّولة، والبنى التّحتيّة الحيويّة"، بالإضافة إلى تمهيد الطّريق إلى اتّخاذ إجراءات قانونيّة ضد شركات وسائل التّواصل الاجتماعيّ الّتي تنشر مثل هذا المحتوى، بما في ذلك "فيسبوك"، و"تويتر"، و"يوتيوب"، و"جوجل".[15] وتنطوي عواقبه القانونيّة على غرامات ماليّة هائلة، وقد تؤدي حتّى إلى منع هذه المنّصات من العمل في البلاد. وعبّر سيمون ميلنر، وهو مدير قسم السياسات المتعلّقة بالشّرق الأوسط والمملكة المتّحدة وأفريقيا، في "فيسبوك"، عن قلق الشّركة من أنّ مشروع القانون، إذا ما تمّ تمريره، سيسمح للمحاكم بالبت في مسائل تعرضها عليها الحكومة بناء على طلب طرف واحد، دون اشتراط الاستماع إلى الطّرف الآخر. وذكر ميلنر أنّ "فيسبوك" اقترحت أن يُعاد النّظر في مشروع القانون مرّة أخرى. ومع ذلك، أكّد أنّ "فيسبوك" تعمل عن كثب مع وحدة الجرائم الإلكترونية الإسرائيليّة لإزالة معظم ما تبلغ عنه الوحدة.

 

سياسات وممارسات إدارة المحتوى في "فيسبوك"

نظرا لكون "فيسبوك" المنصّة الأكثر شعبيّة وانتشارا بين الفلسطينيين، فإنّ قرارتها بما يتعلّق بإدارة المحتوى، تستطيع أن تؤثّر بشكل هائل على قدرة ممارسة الفلسطينيين لحقوقهم على الإنترنت، وخاصّة حريّة التّعبير والرّأي، والتّجمّع، وتكوين الجمعيّات، والوصول إلى المعلومات. ولا تخلّف إزالة المحتوى الفلسطينيّ أثرا سلبيّا على الأفراد فحسب، بل تضّر أيضا بالمجتمع الفلسطينيّ ككلّ، والّذي يعتمد على "فيسبوك" ومنصّات التّواصل الاجتماعيّ الأخرى بشدّة، كوسيلة للمطالبة بحماية حقوق الإنسان خاصّته. وفي سياق احتلال غير قانونيّ، تضعف حصانة الفلسطينيين أمام دول وشركات أكثر قوّة، ويستطيع الاحتلال عبر سياساته وممارساته أن يؤدّي إلى إسكاتهم بطرق تزيد من تهميش وإضعاف المجتمع الفلسطينيّ والقضيّة.

 

إعداد السّياسات وتطبيقها 

تُصمّم سياسات إدارة المحتوى وتُطبّق بأساليب متعدّدة تختلف بين كلّ شركة وسائل تواصل اجتماعيّ وأخرى. وفي حالة "فيسبوك"، فإنّ الشرّكة ابتدعت ما يُسمّى بـ"معايير المجتمع"، وهي عبارة عن مجمل "القوانين الّتي تحدّد ما المحتوى الّذي سيتمّ الإبقاء عليه وما الّذي ستتمّ إزالته من فيسبوك"[16]، والّتي تُفرض بمزيج من مراجعة بشريّة والذّكاء الاصطناعيّ. وأثارت هذه المعايير انتقادات من المختصّين في مجاليّ حقوق الإنسان والحقوق الرقميّة، إذ أشاروا إلى أنّها لا تتماشى في الكثير من الأحيان، مع مبادئ ومعايير حقوق الإنسان. وردّا على ذلك، نشرت "فيسبوك" في نيسان/ أبريل 2018، إرشاداتها الدّاخليّة[17] المستخدمة لفرض معاييرها لإدارة المحتوى. وصُممّت هذه التّوجيهات للحدّ من عدم الموضوعيّة، وضمان أكبر قدر من الاتّساق في القرارات الّتي يتّخذها المراجعون.

وتوضع سياسات "فيسبوك" من قبل فرق تعمل في 10 مكاتب تتواجد في ستّ دول خارج منطقة الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا. وفي حين أنّ سيرورة وضع السّياسات في "فيسبوك" تتضمّن التّشبيك مع أصحاب المصلحة لـ"فهم الزوايا المختلفة حول حريّة التّعبير والسّلامة، بالإضافة إلى آثار سياسات الشّركة على المجتمعات المختلفة على مستوى العالم"[18]. ولكن المجتمع المدنيّ الفلسطينيّ استُثني من هذه المشاورات لأعوام عديدة. وفي عام 2018، وردّا على الانتهاكات المتصاعدة المرتكبة عبر منصّات "فيسبوك"، وسّعت الشّركة طاقمها ليشمل عددا أكبر من الموظفين القادرين على معالجة قضايا حقوق الإنسان، وتلك المتّعلقة بالسّياسات، بما يشمل تخصيص طاقم للتّواصل مع الحكومة الفلسطينيّة والمجتمع المدنيّ. ورغم أنّ هذا التّشبيك المتزايد يُعدّ بمثابة تطوّر إيجابيّ، إلّا أنّه لا تزال تُرتكب الكثير من الانتهاكات لحقوق الإنسان والحقوق الرّقميّة، على منصّات الشّركة، ونتيجة لسياسات وممارسات "فيسبوك" الّتي لم تُعالج بعد. وأخيرا، على الرّغم من أنّ "فيسبوك" تنشر ملاحظات اجتماع خطّ السّياسات علنا،[19] إلّا أنّه لا توجد سوى معلومات قليلة حول الجهات المعنيّة الّتي تُستشار في هذا الصّدد. ومع ذلك، من المعروف أن الشّركة تستشير كل من إسرائيل والعديد من المنظّمات الحكوميّة المُدارة حكوميا، كجزء من عمليّة تطوير السّياسات.

 

استخدام الذّكاء الاصطناعيّ لتطبيق سياسات إدارة المحتوى

بحسب سياسات شركات وسائل التّواصل الاجتماعيّ، تُطبّق سياسات إدارة المحتوى عبر الدّمج بين تقنيّات الذّكاء الاصطناعيّ، والإدارة البشريّة (والّتي تشمل الرّد على بلاغات المستخدمين). ومع أنّ المعلومات حول هذه السياسات، متاحة عبر الإنترنت بتفاصيل متفاوتة، إلّا أنّ المعلومات حول استخدامات الذّكاء الاصطناعيّ ليست متاحة للجمهور، وبالتّحديد المعلومات المتعلّقة بالكلمات والصّور المُستخدمة لتدريب أنظمة الذّكاء الاصطناعيّ. وفي حالة "فيسبوك"، اتّخذت الشّركة قرارا بتطبيق تقنيّة الذّكاء الاصطناعيّ خاصّتها بـ"استراتيجية تُدعى 'محو وتقليل وإبلاغ'"[20]، والّتي تقوم الشّركة بموجبها، بمحو وإضافة التّحذيرات للمحتوى الّذي ينتهك شروط خدمتها. وتستخدم الشّركة "البرمجة اللّغويّة العصبية" (Neuro-Linguistic Programming)، لابتكار لغة رقميّة موحّدة، والّتي من شأنها أن تُساعد في عمليّة كشف المحتوى الّذي ينتهك سياسات "فيسبوك". كما وساعدت تقنيّة "ميّزة شبكات الهرم شاملة الإراءة" (Panoptic FPN) أنظمة الذّكاء الاصطناعيّ على فهم سياق خلفيّات الصّور. ووفقا لسياسات "فيسبوك"، يُزال المحتوى الّذي يتضّمن "العريّ، والعنف، وبورنوغرافيا الأطفال والإرهاب" تلقائيّا. [21]  ولكنّ تعريفات "العريّ"[22]، و"العنف"[23]، و"الإرهاب" لا تزال خلافية. أمّا أنواع المحتوى الأخرى، فيُقلّل منها ذلك الّذي من المحتمل أن يكون معلومات مضلّلة مثلا، بينما توضع علامة للمستخدم على بعض أشكال المحتوى لإعلامه بأنّه ذو طبيعة عنيفة أو حساسّة. وتستخدم شركات أخرى مثل "يوتيوب" و"تويتر" تقنيّات واستراتيجيّات مشابهة لتطبيق سياسات منتوجاتها، والّتي قد تتسبّب بتمييز رقميّ. ورغم أنّ شركات وسائل التّواصل الاجتماعيّ تستخدم الذّكاء الاصطناعيّ لفرض شروط خدماتها، وللتّأكد من أن سياساتها وممارساتها تتوافق مع حقوق الإنسان في الحالات المُثلى، إلا أنّ الذّكاء الاصطناعيّ لا يزال مشوب بأخطاء كثيرة، ما يعرض كميّة ضخمة من المحتوى الفلسطينيّ للحذف والحظر مع ازدياد استخدام هذه التّقنيّات.

 لذا، ولأسباب أخرى أيضا، طالب المقّرر الخاص للأمم المتّحدة المعنيّ بتعزيز وحماية الحق في حريّة الرّأي والتّعبير، والعديد من منظّمات المجتمع المدنيّ، بمزيد من الشفافيّة والمساءلة في قرارات إدارة المحتوى.[24] ونتيجة لهذه المساعي، ربما، بدأت بعض الشّركات، ومن بينها لاعبين مهيمنين في المجال مثل "فيسبوك"، بمشاركة المزيد من المعلومات حول إجراءاتها الدّاخليّة، ووسّعت تقارير الشّفافيّة الصادرة عنها، والّتي تستعرض فيها كم المحتوى المحظور الّذي يُشارك على منصّاتها، وذلك يشمل الحسابات الوهميّة، والحسابات المتطّفلة (Spam)، والحملات الدعائيّة "الإرهابيّة"، والاستغلال الجنسيّ للأطفال، وخطاب الكراهية، والتّنمّر، والعُريّ، والعنف، وبيع السّلع الخاضعة للرقابة كالأسلحة الناريّة والمخدّرات. وتشرح الشّركة في معظم هذه الفئات، وجهات نظرها حول المحتوى، وكم القطع الّتي اتّخذت الشّركة إجراءات بخصوصها، وعدد القطع الّتي عُثر عليها قبل ورود بلاغات المستخدمين، وكم القرارات الّتي طُعن فيها وطُلب إعادة النظر في حذفها، وعدد المنشورات الّتي استُعيدت بعد إثبات أخطاء في عمليّة فرض قوانين الشّركة (إمّا من الاستئنافات أو عبر وسائل أخرى). ولكنّ هذا التّقرير لا يوضّح السياسات الّتي أُزيل المحتوى بموجبها، ولا مصدر المحو، أي ما إذا نجمت الإزالة عن فرض الذّكاء الاصطناعيّ لهذه السياسات، أو إدارة بشريّة للمحتوى من قبل "فيسبوك"، أو نتيجة لتقارير خارجيّة قُدّمت للشّركة. وهذه معلومات في غاية الأهميّة لرصد تأثير الحكومة الإسرائيليّة على سياسات وممارسات إدارة المحتوى في الشّركة، لتمكين المدافعين عن الحقوق الرّقميّة من الدّفاع بفاعليّة أكبر، على المستويين المحلّيّ والدّوليّ، عن حقوق الإنسان والحقوق الرّقميّة.

 

حوكمة المحتوى

ردّا على القضايا المتصاعدة حول طرق إدارة "فيسبوك" للمحتوى، أعلنت الشّركة في عام 2018، أنها ستطوّر هيكل حوكمة المحتوى خاصّتها، بحيث يشمل "مجلس رقابة"، أو بما يوصف بـ"المحكمة العليا في فيسبوك". وعندما أُعلن عن "مجلس الرّقابة"، كتب المدير التّنفيذي لـ"فيسبوك" ومؤسّسها، مارك زوكربرغ، أنّ الشّركة "سعت للحصول على إسهامات من منتقدي ومؤيدي فيسبوك على حدّ سواء،[25] بعد حلقة تشاور عالميّة استضافت خلالها ورشات عمل، وموائد مستديرة ضمّت أكثر من 650 شخصا في 88 دولة مختلفة، مما أدى إلى:

 

       إصدار الميثاق النّهائي الّذي يؤسّس هيكل المجلس، ونطاق عمله وصلاحيّاته.

       إنشاء مجلس الرقابة الاستئماني لضمان قدرة المجلس على اتّخاذ قرارات وتوصيات مستقلّة.

       نشر اللّوائح الدّاخليّة للمجلس، والّتي تحدّد إجراءاتها التشغيليّة.

       توظيف مدير المجلس، والّذي سيقود إدارة المجلس وطاقمه.

       إنشاء بوابة توصية، والّتي تمّكن المجلس من قبول التّرشيحات والطّلبات من أي شخص مهتم بالعمل كعضو.

وفي حين توجد حاجّة ماسّة لأن تطوّر "فيسبوك" وغيرها من شركات وسائل التّواصل الاجتماعيّ، آليّات تضمن أن تتناسق سياساتها وممارساتها مع حقوق الإنسان، فإنّ تأسيس مجلس كهذا يملك القدرة على المساعدة، ولكنّه قد لا يقدّم الوضوح الكافي أو ضمانات حقوق الإنسان لقرارات إدارة المحتوى المتّخذة في داخله. وعلى سبيل المثال، لا يُمكن للمجلس أن يلبّي متطلّبات الشّفافيّة، أو التّناسب، أو التّظلم، أو التّعويض من تلقاء نفسه. ويتطلّب التّماهي مع مبادئ حقوق الإنسان المتّعلّقة بحريّة التّعبير، ومنع الأضرار الّتي يمكن تفاديها، إجراء تقييم للحوافز التّجاريّة للشّركة. وهذا ينطوي على التّدقيق في النّماذج الرّبحية للشّركة، وخوارزميات التّوصية خاصّتها، وشفافيّتها بما يتعلّق بالعمل الدعائي، ومسائل أخرى.  وكما قال المقّرر الخاص للأمم المتّحدة المعنيّ بتعزيز وحماية الحق في حريّة الرّأي والتّعبير، في مقاله تحت عنوان "جمهوريّة فيسبوك": "تعمل الشّركات من أجل مصلحتها الخاصّة، وليس لمصلحة الجمهور". [26]

وما أثار قلقا شديدا لدى الفلسطينيين، خلال إعلان "مجلس الرّقابة" في "فيسبوك"، أنّ إيمي بالمور، المديرة العامّة السّابقة لوزارة القضاء الإسرائيليّة، ستكون من بين أوّل 20 عضوا في المجلس، وإحدى الممثّلين عن منطقة الشّرق الأوسط وشمالي أفريقيا. [27]إذ أنّ تحت إدارة إيمي بالمور، تقدّمت وحدة "السايبر" الإسرائيليّة، بالتماس لـ"فيسبوك"، لحظر الخطاب الشّرعي للمدافعين عن حقوق الإنسان والصحافيين، لأنه اعتُبر أمرا غير مرغوب به سياسيا. وهذا يتعارض مع مبادئ وتوصيات القانون الدّوليّ لحقوق الإنسان، والّتي أصدرها المقّرر الخاص للأمم المتّحدة المعنيّ بتعزيز وحماية الحق في حريّة الرّأي والتّعبير. علاوة على ذلك، يدّعي الخبراء والناشطون في مجال الحقوق الرّقميّة، أنّ الرّقابة يجب أن تُفرض في حالات نادرة جدّا، وأن يكون لفرضها مبررات وجيهة، لحماية حريّة التّعبير، وأنّه يجب على الشركات أن تطوّر أدوات "تمنع أو تخفّف من مخاطر حقوق الإنسان التي تسبّبها القوانين الوطنيّة أو تتطلب مخالفة للمعايير الدّوليّة".[28] وبالإضافة إلى ذلك، يتعارض ذلك مع ميثاق "مجلس الرّقابة" في "فيسبوك"، والّذي ينصّ على أنّه "يجب ألّا يكون لدى الأعضاء تضارب مصالح فعليّ أو متصّور، والّذي قد يهّدد حكمهم المستقل وصناعة القرارات"، فاختيار إيمي بالمور جزء من المجلس يثير مخاوف من أنّ تؤدّي آليّة الاختيار في مجلس الرّقابة للمزيد من القيود على حريّة التّعبير على الإنترنت، وتقويض إضافيّ لقدرة الفلسطينيين على النّضال من أجل حقوق الإنسان خاصّتهم وممارستها.

وحثّ المجتمع المدنيّ الفلسطينيّ "فيسبوك" و"مجلس الرّقابة" التّابع لها، في بيان عام أُصدر في أعقاب إعلان اختيار إيمي بالور[29]، على النّظر إلى العواقب الوخيمة الّتي قد تتّرتّب على اختيارها عضوا في المجلس، على المدافعين الفلسطينيين عن حقوق الإنسان، وعلى حريّة التّعبير على الإنترنت في الدّفاع عن حقوق الفلسطينيين. وفي اجتماع مع مناصري الحقوق الرّقميّة الفلسطينية، أوضح ممثلو "فيسبوك"، أنّ الشّركة ستخصّص ممثلا إقليميا واحدا لكل حالة يقوم الأعضاء بمراجعتها، وأنّ إيمي بالمور ستجلس كممثلة عن منطقة الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا. ونظرا إلى أنّ إيمي بالمور تحظى بباع طويل في المساهمة في تطوير طُرق لصالح الحكومة الإسرائيليّة، لممارسة الانتهاك الممنهج لحقوق الفلسطينيين الرّقميّة، فإن هذا يُعدّ بمثابة تضارب مصالح واضح.

 

السّياسات المحدّدة الّتي تؤثّر على حقوق الفلسطينيين الرّقميّة

"المحتوى المتطّرف"

رغم أنّ التّطرّف مسألة عالميّة، إلا أنّه ما من تعريف مقبول ومعترف به دوليا للمنظّمات "الإرهابيّة". وغالبا ما أدّت المحاولات لابتداع تعريفات لها، إلى تطبيق ممارسات قمعيّة سواء كان ذلك من قبل أنظمة استبداديّة أو من دوّل تُصنّف على أنها ديمقراطيّة. وأظهرت الأبحاث أنّ حقل "مكافحة الإرهاب" لم يحترم حقوق الإنسان. [30]ويشير مكتب الأمم المتّحدة لمكافحة الإرهاب إلى أنّ "تقلص مساحة المدافعين عن حقوق الإنسان والجّهات الفاعلة في المجتمع المدنيّ لممارسة حريّاتهم هو نتيجة لتدابير مكافحة الإرهاب التي لا تتوافق مع حقوق الإنسان".[31] 

ووضعت عدّة شركات وسائل تواصل اجتماعي، سياسات بشأن إدارة "المحتوى المتطرّف". وطوّرت "فيسبوك" مفهومها الخاص لذلك تحت "سياسة المنظّمات والأفراد الخطرين"، والّذي يتضّمن المنظمّات أو الأفراد الضالعين بـ"نشاط إرهابيّ، أو كراهية منظّمة، أو القتل الجماعي (يشمل المحاولات)، أو بالقتل المتعدّد، أو بالاتجار بالبشر، أو العنف المنظّم أو النشاط الإجراميّ".[32] وبموجب هذا التّعريف، تزيل "فيسبوك" هذا المحتوى، وأي محتوى يبدي دعما أو تبجيلا لمجموعة، أو قيادات، أو أفراد ضالعين في هذه الممارسات أو النّشاطات. ولكنّ سياسات "فيسبوك" حول التّطرّف، تزيل أيضا كلمة "شهيد" أو بعض أسماء الشهداء، وكلمات سياسيّة أساسيّة في السّياق العربي كـ"المقاومة". ونظرا لعدم تجريم الولايات المتّحدة ولا القانون الفلسطينيّ، لمثل هذه الخطابات السياسيّة، فإنّ خطوات "فيسبوك" تُظهر كيف تتجاوز الشّركة التزاماتها القانونيّة، موسّعة رقابتها على المحتوى الفلسطينيّ بشكل يعتمد التّعريفات الإسرائيليّة، والّتي تتخطى أدنى المعايير القانونيّة، مما يزيد من انتهاك حقوق الإنسان الفلسطينيّ وحقوقه الرّقميّة.

ولا تقتصر هذه السياسات والممارسات الموجّهة ضد "التّطرّف" على "فيسبوك"، إذ تتشاركها شركات تواصل اجتماعيّ مختلفة تعمل سويّة لإزالة ما تزعم أنّه محتوى "تحريضيّ"، عبر "منتدى الإنترنت العالميّ لمكافحة الإرهاب" (GIFCT). وبعد أن طوّر هذا المنتدى بشراكة بين "فيسبوك" و"مايكروسوفت" و"يوتيوب" و"تويتر"، فإنّه كبر اليوم ليضم عددا متزايدا من شركات التكنولوجيا. وتساهم هذه الشّركات مجتمعة في إثراء قاعدة بيانات تضم أكثر من 200 مليون عيّنة محتوى. وفي حين أنّ "منتدى الإنترنت العالميّ لمكافحة الإرهاب" يُنتقد غالبا لانعدام شفافيّته، فإنّه بالإضافة إلى ذلك، دعم شبكة من المؤسّسات البحثيّة[33] الّتي من المعلوم أنّ شركائها يدعمون سرديات حول "مكافحة الإرهاب" تخلط بين انتقاد إسرائيل أو دعم حقوق الفلسطينيين، وبين التّحريض على العنف. ويشمل هذا "مؤسّسة بروكينغز" (Brookings Institution) الّتي تتّخذ من الولايات المتّحدة مقرّا لها، وتملك "مركز سابان لسياسات الشّرق الأوسط" (Saban Center for Middle East Policy ) الّذي أسّسه حاييم سابان، وهو مؤيّد معروف لإسرائيل[34]، ويستخدم شبكته الإعلاميّة الواسعة للتّرويج للبروباغندا الإسرائيليّة. [35] ويدير المعهد هذا اليوم، مارتن إنديد، وهو دبلوماسيّ أميركيّ معروف وناشط في جماعات ضغط مؤيّدة لإسرائيل، وقد أسّس "معهد واشنطن لسياسة الشّرق الأدنى" (Washington Institute for Near East Policy)، وهي منظّمة غير حكوميّة مُدارة حكوميا، وداعمة لإسرائيل، أطلقتها لجنة الشّؤون العامّة الأميركيّة الإسرائيليّة (إيباك)، ومعروفة بكونها "جزء من نواة" اللوبي المؤيّد لإسرائيل في الولايات المتّحدة. [36] وتشمل هذه الشّبكة أيضا، "المؤسّسة الدّوليّة لمكافحة الإرهاب" (إسرائيل)، وهي إحدى مشاريع "مركز هرتسليا متعدّد التّخصّصات"، وقد نشرت مؤخرا ورقة بعنوان "فيروس كراهية: إرهاب اليمين المتّطرف في الحيّز الرّقميّ"، والّذي يحاول أن يزعم وجود حلقات وصل بين المجموعات الدّاعمة للقضية الفلسطينيّة على "فيسبوك"، وبين مجموعات النازيين الجدد، والمتّطرّفين المؤمنين بالفوقيّة العرقيّة البيضاء. وتشمل قائمة أعضاء الشّبكة البحثيّة المدعومة من "منتدى الإنترنت العالميّ لمكافحة الإرهاب"، "المركز الدّوليّ لمكافحة الإرهاب" في هولندا (International Centre for Counter-Terrorism)، وجامعة سوانسي في المملكة المتّحدة (Swansea University )، و"مؤسّسة أبحاث الأوبزرفر" في الهند (Observer Research Foundation )، و"المعهد الدّوليّ لمكافحة الإرهاب" في إسرائيل، و"معهد تحليل سياسات الصراع" في إندونيسيا(Institute for Policy Analysis of Conflict).

 

خطاب الكراهية

في حين أنّ سياسات شركات وسائل التّواصل الاجتماعيّ الّتي صُمّمت لمعالجة خطاب الكراهية، مُتعدّدة، فإنّ "فيسبوك" عرّف خطاب الكراهية على أنّه هجوم مباشر على النّاس بناء على ما نُطلق عليه السّمات المحميّة، كالعرق، والانتماء الإثنيّ، والأصل القوميّ، والانتماء الدّينيّ، والميل الجنسيّ، والطّائفة، والجنس، والجندر، والهويّة الجندريّة، والأمراض الخطيرة أو الإعاقات. [37] ورغم أنّ "فيسبوك" أجرت محاولات لإنشاء معجم خاص بمفردات خطاب الكراهية باللّغة العربيّة، إلّا أنّه لم تُجرى مثل هذه المشاورات مع عدد كافي من الجهات المعنيّة الفلسطينيّة بما يتعلّق بتعريف خطاب الكراهية أو "الإرهاب". وهذا أمر في غاية الأهميّة لأنّ التعريف الفضفاض لخطاب الكراهية قد يُستغل لطمس جهود شرعيّة للفلسطينيين ومؤيّديهم، للمطالبة بحقوق الإنسان خاصّتهم. وعلى سبيل المثال، أزالت "فيسبوك" في عام 2019، منشورا لمدافع عن حقوق الإنسان نصّ على أنّ "المستوطنين الإسرائيليين يسرقون الأرض"، أرفق فيه مقالا أعدّته صحيفة "هآرتس" الإسرائيليّة، بزعم أنّ المنشور وُصم بكونه "خطاب كراهية". ويُظهر ذلك، كيف تُستغل سياسات خطاب الكراهية، لتضييق مساحة حريّة التّعبير، وحيّز القضايا المتعلّقة بحقوق الإنسان للفلسطينيين، وسط حماية للسّرديات الإسرائيليّة المتعارضة مع مبادئ ومعايير القانون الدّوليّ.

ويجب أن تُطبّق سياسات "فيسبوك" المتعلّقة بخطاب الكراهية، بنمط غير تمييزي. ووجد باحثون في مجال السّياسات المتمحورة حول خطاب الكراهية، أنّ قدرا كبيرا من هذ الخطاب مُوجّه ضد الفلسطينيين والعرب على الإنترنت. وتشمل هذه المساعي معلومات أدرجها مركز حملة في تقرير "مؤشّر العنصريّة والتّحريض" لعام 2019، والّذي وجد أنّ هناك "منشورا عنيفا (عامّا) ضد العرب والفلسطينيين باللّغة العبريّة، كلّ 64 ثانية".[38] ولم تزيل "فيسبوك" هذا المحتوى الّذي أُتيح له البقاء والانتشار على الإنترنت، بينما تمّ محو قدر ضخم من المحتوى الفلسطينيّ بذريعة "خطاب الكراهية" و"التّحريض". وينتهك هذا النّوع من التّمييز الرّقميّ مبدأي  المساواة وعدم التّمييز الّلذين يُعتبران جزءا من أسس سيادة القانون.

 

 

الخلاصة والتّوصيات

لا بدّ أن يكون احترام حماية حقوق الفلسطينيين الرّقميّة والالتزام بها، جزءا جوهريا من سياسات وممارسات الدّول وشركات وسائل التّواصل الاجتماعيّ. وكما تُظهر ورقة الموقف هذه، فإنّ انتهاكات حقوق الفلسطينيين الرّقميّة وحقوق الإنسان خاصّتهم، في تزايد مستمر على الإنترنت كما خارجه، وتُجرى وسط جهد إسرائيليّ ممنهج لإسكات الفلسطينيين المنادين بإحقاق حقوق الإنسان خاصّتهم، ومؤيّديهم. وتفرض إسرائيل من خلال وزاراتها، ووحداتها الخاصّة، والمنّظمات غير الحكوميّة المُدارة حكوميا المؤيّدة لها، وجيوش متصيّديها، احتلالها غير القانونيّ للحيّز الفلسطينيّ على الإنترنت كما خارجه، ساعية لتنفيذ مآربها السياسيّة الّتي تتعارض مع القانون الدّوليّ. وتؤثّر هذه الجهود بشكل خاص، على تعريفات "التّطرّف"، و"الإرهاب"، و"خطاب الكراهية"، متسبّبة بدفع شركات وسائل التّواصل الاجتماعيّ، إلى تبنّي التّعريفات التّمييزيّة الّتي تقلّص مساحة حريّة التّعبير على مستوى العالم، وتنتهك حقوق الفلسطينيين الرّقميّة، وحقوق الإنسان.

ويجب على شركات وسائل التّواصل الاجتماعيّ، ودول الطّرف الثّالث، والمجتمع المدنيّ، أن تعمل لمنع الضرر، ولخلق بيئة آمنة للفلسطينيين ليعبّروا عن أنفسهم على الإنترنت، وليتجمّعوا، ولأن يكوّنوا الجمعيات بحريّة، وليصلوا إلى المعلومات الضروريّة لحقوق الإنسان الخاصة بهم. وتتّسق التّوصيات المطروحة في هذه الورقة، بشكل كبير، مع توصيات المقرّر الخاصّ للأمم المتّحدة المعنيّ بتعزيز وحماية الحق في حريّة الرّأي والتّعبير، وتلك المنصوص عليها في "مبادئ سانتا كلارا حول الشفافيّة والمساءلة في إدارة المحتوى"[39]، وتوصيات "أكسس ناو" (Access Now) حول "إدارة المحتوى". [40] وهي بمثابة مخطّط عمل يجب أن تطبّقه الجهات المعنيّة المتعدّدة من أجل ضمان الحفاظ على حقوق الإنسان للفلسطينيين.

 

شركات وسائل التّواصل الاجتماعيّ

1.      منع الضّرر: لا بدّ أن تعي الشّركات أنّ القانون الدّوليّ هو المعيار العالمي الرّسمي الضّامن لحريّة التّعبير، وليست القوانين المتفاوتة للدّول، أو مصالحها الخاصّة.

       ينبغي أن تستحدث "فيسبوك" والشّركات الأخرى، سياسات وممارسات تحمي حقوق الإنسان الخاصّة بالفلسطينيين، وأن تتحمّل الدّول والشّركات مسؤوليّة انتهاكاتها. ومن السّياسات ذات الأهميّة الخاصّة، تلك المتعلّقة بـ"التّطرّف" وخطاب الكراهية. ولدعم هذه الجهود، هناك ضرورة أن تعتمد الشّركات على القانون الدّولي لحقوق الإنسان، والمختصّين في القانون الإنسانيّ الدوّليّ، فضلاً عن أصحاب الخبرة في حالة فلسطين وممثلين متنوعين عن المجتمع الفلسطينيّ.

       ينبغي أن تعمل الدّول لضمان عدم تضخيم الآثار السّلبيّة لقوانين تنتهك حقوق الإنسان. وفي حالة المحتوى الفلسطينيّ في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة، فإنّه لا يجب أن يستند أيّ تنظيم للمحتوى الفلسطينيّ على القانون الإسرائيليّ.

       يجب على الشّركات أن تكافح الجّهود والتّشريعات الراميّة إلى فرض رقابة على حريّة التّعبير وحرمان النّاس من حقوق الإنسان خاصّتهم، وحقوقهم الرّقميّة على الإنترنت. وعلى وجه التّحديد، لا بدّ أن تكافح الشّركات التّشريعات الإسرائيليّة الموجّهة نحو إسكات حريّة التّعبير للفلسطينيين، ومناصري حقوقهم.

2.       تقييم الآثار: يتحتّم على الشّركات أن تراجع سياساتها ومعاييرها لضمان اتّساقها مع القانون الدّوليّ، خصوصا في المناطق الخاضعة لاحتلال غير قانونيّ، وفي حالات محاولة تنفيذ أهداف سياسيّة تنتهك القانون الدّوليّ. ولا بدّ أن تنخرط أيضا في عمليّة تقييم دقيقة لآثار منتوجاتها وسياساتها الحاليّة، على حقوق الإنسان الخاصّة بالمستخدمين. وتحديدا "فيسبوك"، والّتي يجب أن تعيد تقييم كيف تستخدم إسرائيل والمنّظمات غير الحكومية المُدارة حكوميا الدّاعمة لها، ومتصيّديها، منصّاتها بشكل ممنهج، لانتهاك حقوق الإنسان الفلسطينيّة، وإسكات النّاشطين، والمدافعين، ومنظّمات حقوق الإنسان على الإنترنت.

3.       الاستشارة المجتمعيّة: يجب أن تُستشار جهات معنيّة متعدّدة من المجتمعات الأكثر تأثرا بهذه السياسات، بجدّية وبشكل منهجيّ وغير تمييزيّ، وأن يُدمج منظورها على نحو متناسب، خلال عمليّة وضع السّياسات وتطبيقاتها. ورغم وجود محاولات لإشراك الجهات المعنيّة الفلسطينيّة من قبل "فيسبوك"، إلّا أنّه يجب اتّخاذ مسار أكثر جديّة يشمل انخراطا متواصلا للقطاعات العامّة والخاصّة وغير الحكوميّة. وينبغي أن تتواصل "فيسبوك" مباشرة مع السلّطات الفلسطينيّة، والمجتمع المدنيّ الفلسطينيّ، وأن تضمن أنّ إسهامها مُدمج بشكل متناسب في عمليّة وضع السّياسات وتطبيقاتها، وخاصّة بما يتعلّق بالسّياسات الّتي معلوم أنّ إسرائيل تستخدمها كأداة لفرض سياساتها.

4.       عدم التّمييز: يتوجّب على الشركات أن تطوّر أساليب لضمان عدم تمييز عمليّات إدارة المحتوى خاصّتها ضد شعب يعيش تحت احتلال، وألا تساهم في تعزيز انتهاك حقوقهم.

       يجب ألا يُزال المحتوى الفلسطينيّ الذي يشتمل على كلمات أساسيّة في الخطاب السياسيّ، من منصّات وسائل التّواصل الاجتماعيّ، وألّا يُقلل من وصوله وانتشاره، لأنّ ذلك يعدّ انتهاكا للحقّ في حريّة التّعبير والرّأي، وحقّ التّجمّع وتكوين الجمعيات.

       لا بدّ أن تُطبّق السياسيات بشكل غير تمييزيّ، وأن يُمحى خطاب الكراهية الموجّه ضد الفلسطينيين، وخاصّة ذلك الّذي تنشره إسرائيل، ومتصيّدوها والمنّظمات غير الحكومية المُدارة حكوميا الدّاعمة لها.

5.       الشّفافيّة: يجب أن تحافظ الشّركات على شفافيّة حول كيفيّة تطوير وتطبيق سياساتها.

         يجب ألّا تتعاون أو تتشاور الشّركات مع الدّول بشكل سريّ، وخاصّة الدّول المعروف أنّها تنتهك حقوق الإنسان بشكل ممنهج.

         يجب أن تعكس المعلومات حول محو المحتوى المرتبط بطلبات حكوميّة، السّياسات الّتي تمّ بموجبها إزالة هذا المحتوى لكي يُتاح للمجتمعات أن تُراقب كيفيّة تأثير السّياسات المختلفة على إزالة المحتوى، والحقوق الرّقميّة في نهاية المطاف.

       يجب أن تبدي الشّركات شفافيّة كاملة في استخدامات تقنيّة الذّكاء الاصطناعيّ لإزالة أو تقليل المحتوى، وكيف تُستخدم هذه الأنظمة والعمليّات الّتي تقف من وراء تطبيقاتها، ويجب أن تُتاح هذه الأنظمة للتّدقيق المستقل.

        يتوجّب على الشّركات منح المستخدمين الحقّ في طلب مراجعة بشريّة لقضاياهم، مع إيلاء اهتمام خاص للمحتوى الفلسطينيّ والمحتوى المكتوب باللّغة العربيّة بشكل أعم، إذ من المعروف أنّ أنظمة الذّكاء الاصطناعيّ تزيل بشكل مغلوط، قدرا هائلا من المحتوى الفلسطينيّ الذي يعدّ ضروريا لحماية حقوق الإنسان والحقوق الرّقميّة الخاصّة بالفلسطينيين.

6.      مساءلة السّياسات والممارسات: على الشّركات أن تبقي أنفسها مساءلة  على آثار سياساتها وممارساتها على حقوق الإنسان، وعليها أن تنشئ آليّات مساءلة على مستوى الصّناعة برمّتها، وآليّات محاسبة داخليّة أيضا، من أجل ضمان قدرة الأفراد على الوصول إلى تعويضات وسبل انتصاف مجدية، ومراجعة بشريّة عند الطّلب.

       يجب أن تُساءل الشّركات على ما يقرب من عقد من انتهاكات حقوق الإنسان الّتي أسفرت عن عواقب موثقّة جيّدا، على حقوق الإنسان الخاصّة بالفلسطينيين وغيرهم في جميع أنحاء العالم.

 

دول الطّرف الثّالث

1.      يجب أن تحترم القوانين الحقوق الرّقميّة: يتوجّب على الدّول أن تلغي أيّ قانون يجرّم أو يقيّد دون مسوّغ، الحقوق الرّقميّة وحقوق الإنسان للفلسطينيين على الإنترنت وخارجه.

       ينبغي ألّا تسعى الدّول إلى فرض قيود على المحتوى إلّا تبعا لأمر صادر عن سلطة قضائيّة مستقلّة ومحايدة، وبما يتلاءم مع الإجراء العادل ومعايير القانونية، والضرورة والشّرعية.

       يجب أن تمتنع الدّول عن فرض عقوبات غير تناسبيّة، سواء كان ذلك على شكل غرامات باهظة، أو السّجن، على شركات وسائل التّواصل الاجتماعيّ، نظرا للتأثير الرّادع الهائل الّذي تخلّفه على حريّة التّعبير.

       يجب أن تمتنع الدّول عن ابتداع قوانين أو ترتيبات تتطلّب مراقبة أو غربلة "نشطة" للمحتوى، إذ أنّ الإجراءين لا يتماثلان مع الحقّ في الخصوصيّة، ومن شأنهما أن يرقيا إلى الرّقابة ما قبل النّشر.

2.      هيئة إشراف مستقلّة: يجب أن تمتنع الشّركات عن اعتماد نماذج من التّنظيم تتحّول فيها الوكالات الحكوميّة، بدلا من السّلطات القضائيّة، إلى حُكّام للتّعبير المشروع. وعليها أن تتجنّب أيضا تفويض المسؤوليّة للشّركات لتتّحول لحكّام على المحتوى، الأمر الّذي يخوّل الشّركات أن تولي أولويّة لأحكامها، عوضا عن قيم حقوق الإنسان، وعلى حساب المستخدمين.

3.      الحاجة لتقارير شفافيّة تفصيليّة: يجب أن تنشر الدّول تقارير شفافيّة تفصيليّة حول جميع الطّلبات المتعلقة بالمحتوى الصّادرة للوسطاء، وإشراك إسهامات عامّة حقيقيّة في جميع الاعتبارات التّنظيميّة.

       يتضمّن هذا المعلومات حول الطّلبات المتعلّقة بالمحتوى لإزالة المحتوى خارج الدّائرة القضائيّة القانونية لتلك الدولة. هذا مهم بشكل خاص لأنّه يسعى إلى الكشف عن جهود الدّول لتقليص مساحة حريّة التّعبير على الصّعيد العالميّ. وفي حالة فلسطين، سيساعد ذلك أيضا في كشف جهود إسرائيل لإسكات حريّة التّعبير عن فلسطين على مستوى العالم، وتمكين الدول من الاستجابة بمعرفة وفهم أعمق لكيفيّة عمل إسرائيل والدّول الأخرى لتحقيق أهداف سياسيّة غير قانونيّة عبر الإنترنت.

4.      يجب على الدّول الّتي تحترم القوانين الدّوليّة وحقوق الإنسان، أن تقوم بالضّغط على الحكومة الإسرائيليّة والحكومات الأخرى التي تنتهك القوانين الدولية وحقوق الإنسان وتمارس التمييز الرّقميّ بحق الفلسطينيين لإجبارها على إنهاء هذا التّمييز.

 

المجتمع المدنيّ الدوليّ والمحلّيّ

1. رفع مستوى الوعي: إعلام الجمهور بحقوقه وتزويده على المستوى الفرديّ والجّماعيّ بأدوات لحماية نفسه. والمناشدة من أجل عمل جماعيّ رافض لانتهاكات غير القانونّية للحقوق الرّقميّة وحقوق الإنسان، ولا سيّما الجّهود الرّامية إلى فرض رقابة على المحتوى الفلسطينيّ عبر الإنترنت.

2. المشاركة: يجب أن يعمل المجتمع المدنيّ الفلسطينيّ بنشاط للانخراط مع المنظّمات الدّوليّة (هيئات الأمم المتّحدة) والمنظّمات الإقليميّة (الاتّحاد الأوروبي، النّاتو، العصبة الأفريقيّة، إلخ) من أجل تحقيق توافق في الآراء حول الإطار القانونيّ لحماية حقوق الإنسان المهدّدة بمحاولات منهجيّة لانتهاك الحقوق على منصّات التّواصل الاجتماعيّ. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن يسعى المجتمع المدنيّ إلى إشراك المنظمات العالمية مثل "منتدى الإنترنت العالمي لمكافحة الإرهاب" (GIFCT) الذي يسعى إلى وضع معايير لسياسات وممارسات الشركات.

3. ضمان المساءلة: دعم الإجراءات القانونية وممارسة الضّغط على الشرّكات والحكومات من أجل ضمان حماية حقوق الإنسان. وخاصّة، العمل مع المؤسسات القانونيّة الّتي تعمل على حماية حقوق الفلسطينيين من بين مؤسسات أخرى.

4. رصد انتهاكات الحقوق: يجب أن تكثّف مؤسّسات المجتمع المدنيّ الفلسطينيّ والناشطون العاملون في مجال الحقوق الرّقميّة والإعلاميّة جهودهم لرصد انتهاكات حقوق الفلسطينيين الرّقميّة الإنترنت والتّبليغ عن الانتهاكات من خلال تقديم تقارير إلى آليات المراقبة المستقلّة وشركات وسائل التّواصل الاجتماعيّ.



[1] White. B. (2020). Delegitimizing Solidarity Israel Smears Palestine. Retrieved from: https://online.ucpress.edu/jps/article/49/2/65/107373/Delegitimizing-Solidarity-Israel-Smears-Palestine
[2] Syrian Archive. (n.y.). Tech Advocacy. Retrieved from: https://syrianarchive.org/en/tech-advocacy
[3] Kayali, D. (2020, January). Human Rights Defenders are Not Terrorists, and Their Content is Not Propaganda. Retrieved from: https://blog.witness.org/2020/01/human-rights-defenders-not-terrorists-content-not-propaganda/
[4] Ibid
[5]  Adalah. (2019, December). Social Media Companies Continue to Collaborate with Israel’s Illegal Cyber Unit. Retrieved from: https://www.adalah.org/en/content/view/9652 https://www.adalah.org/en/content/view/9859
[6] Reuters. (2016, September). Why Facebook and Google Are Complying with the Israel To Delete Certain Content. Retrieved from: https://fortune.com/2016/09/12/facebook-google-israel-social-media/
[7] Office of the High Commissioner on Human Rights (2011). Guiding Principles on Business and Human Rights. Retrieved fromhttps://www.ohchr.org/Documents/Publications/GuidingPrinciplesBusinessHR_EN.pdf
[8] The Office of the State Attorney. (n.y.): About the Cyber Unit. Retrieved from: https://www.gov.il/en/Departments/General/cyber-about
[9] Adalah. (2019, November). Israel State Attorney claims censorship of social media content, following Cyber Unit requests, isn't an 'exercise of gov’t authority. Retrieved from: https://www.adalah.org/en/content/view/9859
[10] Gurvitz, Y. (2014, April). What Is NGO Monitor's Connection to the Israeli Government? Retrieved from: https://972mag.com/what-is-ngo-monitors-connection-to-the-israeli-government/90239/
[11] Ullah, A. (2018, November). Pro-Israel Activists Seek to Manipulatee Online Response to Gaza Violence. Retrieved from: https://www.middleeasteye.net/news/pro-israel-activists-seek-manipulate-online-response-gaza-violence
[12] Winstanley, A. (2019, June 12). Inside Israel's million-dollar troll army. Retrieved from: https://electronicintifada.net/content/inside-israels-million-dollar-troll-army/27566
[13] Israel labels BDS activists ‘Terrorists in Suits’. (2019, February). Retrieved from https://www.middleeastmonitor.com/20190204-israel-labels-bds-activists-terrorists-in-suits-in-new-smear-campaign/
[14] Report of the Special Rapporteur on the situation of human rights in the Palestinian territories occupied since 1967: Situation of human rights in the Palestinian territories occupied since 1967. (2019, October 21). Retrieved from https://undocs.org/A/HRC/40/73
[15] Guichman, R. (2018, July). The world is fighting terror and porn - Who is the Israeli Facebook law fighting? (in Hebrew). Retrieved from: https://www.themarker.com/technation/.premium-1.6270707
[16] Zuckerberg, M. (2018, November, 18).  A Blueprint for Content Governance and Enforcement. Retrieved from: https://www.facebook.com/notes/mark-zuckerberg/a-blueprint-for-content-governance-and-enforcement/10156443129621634/?hc_location=ufi
[17] Facebook. (2018, April). Publishing Our Internal Enforcement Guidelines on Expanding Our Appeals Process. Retrieved from: https://newsroom.fb.com/news/2018/04/comprehensive-community-standards/
[18] Ibid
[19] Facebook. (2018, November) Product Policy Forum Minutes. Retrieved from: https://about.fb.com/news/2018/11/content-standards-forum-minutes/
[20] Rosen, G. (2019, April). Remove, Reduce, Inform. Retrieved from: https://about.fb.com/news/2019/04/remove-reduce-inform-new-steps/#reduce
[21] Facebook. (2019, September) Combating Hate and Extremism. Retrieved from: https://about.fb.com/news/2019/09/combating-hate-and-extremism/
[22] Maheshwari, S., and Frenkel S. (2018, March). Facebook Lets Ads Bare Man’s Chest. A Woman’s Back Is Another. Retrieved from: https://www.nytimes.com/2018/03/01/business/media/facebook-ads-gender.html
[23] Lapowsky, L. (2018, April). Wired. Here’s What Facebook Won’t Let You Post. Retrieved from: https://www.wired.com/story/heres-what-facebook-wont-let-you-post/
[24] Human Rights Council (2018). Report of the Special Rapporteur on the promotion and protection ofthe right to freedom of opinion and expression. Op.cit.
[25] Harris, B. (2019, April). Getting Input on an Oversight Board. Retrieved from: https://about.fb.com/news/2019/04/input-on-an-oversight-board/ 
[26] Kaye, D. (2020, May). The Republic of Facebook. Retrieved from: https://www.justsecurity.org/70035/the-republic-of-facebook/
[27] Facebook. (2020, May). Welcoming the Oversight Board. Retrieved from: https://about.fb.com/news/2020/05/welcoming-the-oversight-board/
[28]Freedex. (2018). A Human Rights Approach To Content Moderation. Retrieved from: https://freedex.org/a-human-rights-approach-to-platform-content-regulation/
[29] 7amleh. (2020). Palestinian Civil Society Organizations Issue Statement Over Selection of Emi Palmor. Retrieved from: https://7amleh.org/2020/05/14/palestinian-civil-society-organizations-issue-a-statement-of-alarm-over-the-selection-of-emi-palmor-former-general-director-of-the-israeli-ministry-of-justice-to-facebook-s-oversight-board
[30] Human Rights Watch. (n.y.). Terrorism / Counterterrorism. Retrieved from: https://www.hrw.org/topic/terrorism-counterterrorism
[31]  United Nations Office of Counter Terrorism. (n.y.). Human Rights. Retrieved from: https://www.un.org/counterterrorism/human-rights
[32] Facebook. Community Standards: Dangerous Individuals and Organizations. Retrieved from: https://www.facebook.com/communitystandards/dangerous_individuals_organizations
[33] Global Internet Forum to Counter Terrorism. Retrieved from: https://gifct.org/partners/
[34] Sorkin, A. (2004, September). Schlepping to Moguldom. Retrieved from: www.nytimes.com/2004/09/05/business/yourmoney/05sab.html?ei=5088&en=9eb8c2a72c2b5e7d&ex=1252123200&partner=rssnyt&pagewanted=print&position
[35] Davis, C. (2012, Feb). Univision goes neoconservative. Retrieved from: https://www.aljazeera.com/indepth/opinion/2012/02/201221584750141923.html
[36] Mearsheimer, J.; Walt, S. (2007). The Israel Lobby and US Foreign Policy. Macmillan. pp. 175–6
[37] Facebook. (2019, September). Combating Hate and Extremism. Retrieved from: https://about.fb.com/news/2019/09/combating-hate-and-extremism/ 
[38] 7amleh. (2020, February). Index of Racism and Incitement. Retrieved from: https://7amleh.org/2020/02/27/index-of-racism-and-incitement-2019-israeli-elections-were-the-primary-reason-for-increasing-incitement-against-arabs
[39] Available at https://santaclaraprinciples.org/
[40] Pallero, J. (2019, May). Retrieved from https://www.accessnow.org/cms/assets/uploads/2019/05/AccessNow-Preliminary-Recommendations-On-Content-Moderation-and-Facebooks-Planned-Oversight-Board.pdf

انضم/ي إلى قائمة النشر

لتكن جزء من التكافل المجتمعي وتنضم لفريق النشر في حملة