لم يعد توجه رقمنة الحكومات والدّول مسألة تحتمل القبول أو الرّفض، بقدر ما هي مسألة تحتمل التراخي أو التباطؤ في توفير المقومات والبيئة المناسبة للمضي في رقمنة المجتمعات وخدماتها العامة والخاصّة، وباتت هذه المسألة عنصراً هامّاً في التواصل الأكثر سخونةً في العالم، مذ بدأ الأمر بحلم لعالم مُتصل وأضحى ليصبح مساحة توفر المال والجهد والراحة ويستطيع الجميع المشاركة بتجاربهم وتفاعلاتهم، بدءاً من استخدام بطاقتك الإئتمانية، توزيع الإعجابات، التّلصّص على الصّور، تحديد موقع تواجدك وحالتك الصحية، ودفع الضرائب وإتمام المعاملات الحكومية والخاصة رقمياً، والتي تجمع لحظيّاً وتُرفق بهوية رقمية. في ظل كل هذا التقدم والحاجة للرقمنة نحن بحاجة للتأني لمواءمة الحقوق الرقمية التي تشكل امتداداً طبيعياً لحقوق الإنسان في الفضاء الإلكتروني مع هذا التطور والعالم الرقمي بما يحمي الحق في الخصوصية وكل الحقوق الأخرى. أما على الصعيد الفلسطيني فيزداد الأمر تعقيدا حيث يحمل موضوع الرقمنة أبعاد أخرى وأوجه مختلفة لا تتشابه وأي سياق في العالم.

 

منذ بداية الألفية الثالثة نشأ جيل في عصر كان الإنترنت فيه أمراً واقعاً ومركّباً أساسياً في تفاصيل الحياة، أصبح العالم متّصلاً ويتحرك بوتيرة أسرع، وبالتالي، فإن توقعات تقديم وتجربة الخدمة تتزايد بسرعة أكبر من أساليب العمل إلى الخدمات المستخدمة والأماكن التي يعيش فيها المواطنون، بحيث أحدثت التقنيات الرقمية حقبة جديدة من سلوك المواطنين. إذ ومثالاً، منذ العام 1997، تسعى إستونيا، التي يبلغ تعداد سكانها مليون و300 ألف نسمة، جاهدة لتنفيذ إحدى الأفكار الكبرى، وهي تحويل الخدمات الحكومية بأكملها إلى خدمات إلكترونية، ويروج لهذا النّموذج كأحد النماذج العالمية، متجاهلاً الحروب الرقمية التي تعرضت لها استونيا أو خصوصية الجمهور وبياناتهم المعرضة للانتهاك والسرقة من جهات مختلفة. فهل يُمكن لفلسطين تبني هذا النموذج الإستوني في رقمنة حكوماتها وقطاعاتها الحكومية والخاصة؟ وكيف يتأثر ويؤثر نظام الاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري على رقمنة فلسطين؟ وما هو مصير بيانات المستخدمين الفلسطينيين؟ وكيف ستفرض الحكومة الفلسطينية نفوذها في الفضاء الرقمي في ظل عدم قدرتها اليوم على فرض نفوذها الكامل على الأرض كمساحة جغرافية؟ لا بد وأن لموضوع كهذا خصوصيات جمّة لشعب مُحتل وخاضع لمراقبة سلطة مركزية وأجهزة أمنية بشكل مُستمر.

 

في ظل الثورة التكنولوجية المتنامية بشكل سريع، أصبحت مسألة “الخصوصية” شائكة ومُعقدة وأحيانا غير واضحة. كما أصبحت معظم معاملاتنا اليومية تتم بشكل رقمي، فبطاقات الهوية هي بيانات رقمية مسجلة لدى المؤسسات الحكومية، يتم من خلالها الاستدلال على هوياتنا الشخصية، ومن خلالها بإمكانك حجز المطاعم عن طريق الإنترنت، أو الترتيب لسفر، أو حجز تذاكر الطيران، أو دفع الفواتير المنزلية، كُل هذه الخدمات والتسهيلات هي في الأصل معاملات رقميّة وإلكترونية تتم عن طريق كتابة مجموعة من بياناتنا الشخصية على صفحات أو تطبيقات تلك المواقع بطريقة تمكنها من الاستدلال علينا لتقديم الخدمة المطلوبة. ومن ناحية أخرى، فإن التقنيات الحديثة تساهم بشكل أكبر في تجميع أدق التفاصيل من خلال تحليل الممارسات الرّقمية للجمهور بحيث يتسنى لها تحديد هوية هذا الشخص من خلال هذه البيانات، ويشمل ذلك كافة المُعطيات التي تتيح استخلاص استنتاجات حول هوية الشخص المقصود.

 

لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد التقنيّ فقط، فالسؤال الذي يطرح نفسه باستمرار هو: ما هو مصير البيانات الرقمية للمواطنين؟ وما هي الجهات التي سَتُمنح صلاحيات الاطلاع على البيانات والنفوذ إليها؟ أين ستحتفظ الحكومة بالبيانات وتُخزنها؟ وما هي المُدة التي يتم فيها تخزين هذه البيانات؟ وهل من ضمان يَحول دون استخدام الحكومة لهذه البيانات للملاحقة القانونية لبعض المواطنين؟ وكيف تملك الحكومة الثقة مع المواطنين لإقناعهم بهذا النظام الرقمي وهل هناك وعي مُجتمعي كافي للتحول إلى الرقمنة اليوم؟ تناول هذه الأسئلة وأخرى غيرها تسعى لإثارة سؤال مفاده كالتالي: هل نُضحي بخصوصيتنا على الإنترنت مقابل الحفاظ على الأمن والتقدم والتوفير؟ وبكل ما يثيره من أسئلة تتعلّق بالأمن والاقتصاد والتمثيل السياسي والمشاركة وغيرها.

 

في الوقت الذي يتم تطويع الإنترنت، بشكلٍ عام، والإعلام الاجتماعيّ، بشكلٍ خاصّ، كأدوات تستخدمها الحكومات، في مختلف أنحاء العالم، للتلاعب بهدف تقويض الديموقراطيّة، استدعت الحاجة والتطور التكنولوجي، ودخول الحوسبة والإنترنت في معظم مجالات الحياة إلى إقرار مجموعة من التوجيهات والقوانين والتشريعات التي تخص حماية البيانات الرقمية للمستخدمين حتى بالنسبة للدول التي لا تنص دساتيرها بشكل مباشر على الالتزام بحماية الخصوصية بشكل عام لما له من تبعات وتأثيرات على الجانب الاقتصادي للدول. وقد أقرّت السلطة الفلسطينيّة في تمّوز 2017 قانون الجرائم الإلكترونية “السايبر”، الذي سرعان ما جوبه بالرفض من قبل أصحاب العلاقة، المتمثلين بهيئات المجتمع المدني، منظمات حقوق الإنسان، الناشطون/ات، الصحافيون/ات، وغيرهم/ن، حيث طولب بموائمته مع القوانين والمعاهدات الدولية التي انضمت لها فلسطين سابقاً وبشكل خاص العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية نتيجةً لما يحمله هذا القانون من نصوص غامضة ومصطلحات فضفاضة من شأنها إحداث التباس وضبابية عند تأويل مواده. صحيح أن الحكومة الفلسطينية رضخت للضغط المجتمعي وعدلت القانون في العام الذي يليه، إلا أن القانون لا يزال ينتهك الحقوق الرقميّة ويعطي صلاحيات في غير مكانها لجهات الضبط القضائي ولا يزال النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان والحقوق الرقمية والمؤسسات ذات العلاقة تطالب بتعديل مواده وموائمته مع القوانين الدولية. هل ستتنازل الحكومة عن نهجها الديكتاتوري المفروض من خلال هذا القانون لصالح الانتصار للحقوق والحريات في المجتمع الفلسطيني؟ وإن تنازلت هل سيشكل هذا مدخلا مناسباً لإقناع المواطنين باهتمام الحكومة بحمايتهم رقمياً وبالتالي التوافق على مشروع رقمنة الحكومة؟ 

 

في دراسة سابقة أجرتها حملة، أظهرت أن أعداداً متفاوتة بنسب متقاربة بين المؤسّسات في الضفة الغربية وقطاع غزة تواجه نقصاً في الميزانيّات اللّازمة لبناء وتنفيذ الحملات والتدريبات، بالإضافة إلى النقص بالحرفيّين والمختصّين مهنيّاً بالعمل، وصعوبة الوصول إلى جمهور هدف الحملة، وبعضها أشارت إلى حاجتها لتدريبات تخصّ بناء المضامين الإعلاميّة والخطاب الإعلاميّ، فكيف سنتمكن من مواءمة قدرات هذه المؤسسات للانخراط والاندماج في عملية الرقمنة؟

 

ومن جانب مُشرق أخر، إن تمكنت الدول من تطوير نظام رقميّ ناجح، ستوفر ساعات الطويلة التي تضيع في مبان حكومية خالية من النوافذ، وتجنب انفعال الموظفين المُجهدين علينا بعد يوم مُثقل بالمهام، وتقيل كمية الورق المستخدم وبالتالي تقليل الأثر البيئي، أضف إلى ذلك تقليل مساحات التوفير للأوراق الأرشيفية، وفتح باباً على المستقبل من خلال تحليل أحدث التوجهات المستقبلية والتحديات والفرص التي تواجهها البشرية. كما أنها ستتيح الفرصة لعرض أفضل الممارسات والحلول الذكية التي تحفّز الإبداع والابتكار، بحيث أصبح أمرا ضروريا لحل كثير من المشكلات المعاصرة من أهمها القضاء على الروتين الحكومي وتعقد الإجراءات في ظل التوجه إلى الحكومات الإلكترونية، وكذلك القضاء على مشاكل التكدس وصعوبة الاسترجاع. كما اعتبر المختصون أن التحول الرقمي والاعتماد على التكنولوجيا الرقمية أصبح خياراً استراتيجياً لاقتصادات المنطقة التي تسعى لتطوير قطاعاتها الاقتصادية المختلفة، سواءً في مجالات البيع والشراء والتصدير والاستيراد والدفع من خلال الإنترنت أو غيرها من وسائل التكنولوجيا الحديثة.

 

إن عملية الرقمنة تحمل في طياتها العديد من التحديات والفرص، إنه تساعد المؤسسات (الحكومية وغير الحكومية) والمواطنين في الدول النامية على التواصل والترابط بالأسواق العالمية بسهولة أكثر وبالتالي فتح فرص جديدة للأعمال عن بُعد وتخفيض نسب البطالة، فضلاً عن قيامها بتيسير الشمول المالي إلى جانب المُساهمة في تسويق المنتجات والخدمات في جميع أنحاء العالم بما ينعكس على تنامي المنافسة والإنتاجية والابتكار. إن للتحولات الرقمية المُتسارعة آثار إيجابية عديدة، شريطة تفعيل وتحفيز درجة استعداد المؤسسات والشركات والقطاعات الاقتصادية لاغتنام الفرص الناشئة عن الرقمنة، ودرجة تأهيلها مؤسسياً وفردياً لهذا التحول الرقمي الكبير، واحترامها للحقوق والحريات الرقمية.